الزواج في ظلّ الأزمة: الظروف والعوائق

كمال أوسكان: يجلس «محمود» إلى جانب عروسه «جين» في حفلة عرسه بإحدى القرى في ريف مدينة الدرباسية، تقتصر مظاهر الفرح على حضور الأهل والأقارب في حفل صغير أقرب إلى عيد الميلاد، يقول محمود: «انتظرنا كثيراً لعل الأزمة تنتهي، لكن يبدو أنها ستطول لسنوات، والعمر لا ينتظر، فقررنا أن نتزوج بحفلة بسيطة تجمع الأهل فقط، خاصة أن الظروف الاقتصادية أصبحت صعبة».

الأزمة التي تمر بها سوريا منذ ما يقارب ثلاث سنوات ألقت بظلالها على الحياة  الاجتماعية، وزواج الشباب، وغيرت من نمط تفكيرهم، والطقوس الاجتماعية التي اعتادوا عليها، فما كان مطلوباً من الشاب حتى يتقدم  لخطبة شريكة العمر في الأمس أصبح اليوم ضرباً من الخيال، ولم يعد البيت والسيارة والذهب ضمن قائمة أحلام الفتاة كما في السابق.

منطقة الجزيرة ليست استثناءً، إذ أنها تمر بنفس الظروف، وتعيش نفس المأساة، بالإضافة إلى الواقع الاقتصادي الصعب الذي تمر فيه المنطقة، كونها كانت من المناطق المهمشة التي تفتقد إلى البنية التحتية، وتشكو انعدام فرص العمل للشباب.10150684_554434791336660_3559445159021790716_n

يرى البعض، أن الصراع في سوريا سهّل من شروط الزواج، وأنّها فرصة يجب على الشباب استغلالها لتحقيق الاستقرار والزواج، فيما يقول آخرون، أنه قضى على الكثير من العلاقات العاطفية، وفتح الأبواب أمام خيارات أخرى بديلة عن فكرة الزواج، مثل السفر والاستقرار في بلدان المهجر هرباً من جحيم الأزمة السورية.

يتردد الشباب  في منطقة الجزيرة في الإقدام على الزواج، نتيجة لما تمر به سوريا من أزمة خلفت تبعات اقتصادية واجتماعية أكثر من ذي قبل، وإن بدأت غالبية العائلات بتقديم التسهيلات، في محاولة لتخفيف أعباء الزواج عن الشباب تشجيعاً لهم، ليجد فيها بعضهم الفرصة، في حين لا تُقنع هذه التسهيلات شبان آخرين أو تثنيهم عن فكرة الهجرة بدلاً من الزواج.

المستقبل مجهول فيما يخص انتهاء الأزمة في سوريا، واستحقاقٌ صعب، وتحدٍ كبير ينتظر معظم الشباب، والجميع ليس مستعداً لتحمل هذه المسؤولية، لا سيّما في ظلّ الظروف الأمنية والاقتصادية التي تزداد صعوبة يوماً بعد آخر، لا يستطيع معظم السوريين تأمين احتياجاتهم الأساسية لكي يفكروا أصلاً في تكوين أسرة قد يكون مصيرها فيما بعد، النزوح أو الهجرة تحت وطأة غياب فرص العمل.

تحديات الزواج في منطقة الجزيرة

بسبب الوضع الاقتصادي الهش في منطقة الجزيرة بشكلٍ خاص بعد الأزمة السورية، يفتقد معظم الشباب إلى القدرة على تأمين السكن والمستلزمات الأخرى اللازمة للزواج، ويتردد الكثير من هؤلاء في الإقدام على الزواج، غير أن ذلك لم يثنِ «نوبار» 42 عاماً، عن الإقدام على هذه الخطوة والزواج من الفتاة التي أحبها في الجامعة منذ سنتين، والعيش مع أهله في إحدى الغرف الأربعة التي يتكون منها بيت العائلة. يقول نوبار: «صحيح أن السكن مع الأهل في نفس المنزل صعب، وقد يجلب العديد من المشاكل الأسرية، إلا أنه الحل الوحيد في هذه الظروف الصعبة».

لكن ليس السكن وحده ما يعيق مسألة زواج الشباب أو تأخره، وإن كان يلعب دوراً مهماً في ذلك، إلى جانب التغيرات التي أصابت الواقع الاقتصادي نتيجة الأزمة، حيث فقد آلاف الشباب فرص عملهم وباتوا من العاطلين عن العمل، الأمر الذي دفع نسبة كبيرة منهم للعزوف عن الزواج أو التردد في اتخاذ قرار الإقدام على الارتباط، يقول «جوان» (الاسم مستعار)؛  13 سنة خريج جامعي من مدينة قامشلو: «تكاليف ومصاريف الزواج في منطقة الجزيرة كانت كبيرة جداً قبل الأزمة، ولم يكن لدى الشباب القدرة على توفيرها من دون مساعدة الأهل، واليوم ازدادت الأمور تعقيداً، زد على ذلك أن أغلب الشباب بات يفكر  بالسفر  أكثر من الزواج».

 الخيار بين الزواج والسفر

يبدو أن التفكير  بالسفر طاغٍ أكثر على المتعلمين وخريجي الجامعات، إذ ثمّة هناك علاقة سلبية بين الشهادة العلمية والزواج، فكلما زادت الدرجة العلمية، قلّ الإقبال على الزواج لدى الجنسين.

يحدث نوع من المقارنة بين السفر والزواج لدى شريحة كبيرة من الشباب، ويرى البعض؛ أنّ السفر إلى أوربا أسهل بكثير  من الزواج، كما يصف «جوان» ذلك تعليقاً على قصة أحد أصدقائه والذي قرر السفر إلى أوربا بعد أن جمع بعض المال من عمله في إقليم كردستان العراق، عاد ليقدم على خطبة فتاة بعد أن اتفق الأهل وقرأوا الفاتحة، بدون حفلة.

يقول جوان: «بدل أن يصرف صديقي الأموال التي جمعها على الزواج قرر أن يسافر بها إلى أوربا، ومن ثم يرسل في طلب خطيبته بعد أن تستقر أوضاعه هناك، وبذلك يضرب عصفورين بحجر واحد، لكن قد يستغرق ذلك فترة ستة أشهر أو أكثر، ويضيف ممازحاً: «هذا إذا لم يغرقوا في البحر كما  حدث مع العديد من المهاجرين».

إلا أن الأكثر تأثيراً على قرارات الزواج لدى الشباب لا يزال العامل الاقتصادي، وما يتطلبه الزواج من تكاليف وتحضيرات لحفلة العرس، التي باتت ترهق الميزانيات الصغيرة للشباب المقبلين على الزواج في ظل الظروف الراهنة التي أصبحت توازي ثلاثة أضعاف التكلفة في ظروف الاستقرار، والتي تتراوح ما بين 051- 002 ألف ليرة تتضمن استئجار صالة أفراح بحدود 04 ألف، وفرقة موسيقية وتكلف هي الأخرى حوالي 53 ألف، بالإضافة إلى الضيافة التي تتراوح ما بين 07- 08 ألف تقريباً، أما إذا أراد الأهل تقديم الطعام فذلك يضاعف التكاليف.

الأزمة شكلت فرصة مناسبة للزواج10307018_10152190088434830_920309037_n

شريحة لا يستهان بها من الشباب ترى بأن الأزمة سهّلت الكثير من شروط الزواج، كالتساهل من قبل أهل الفتاة  في الشروط والمتطلبات التي كانت ترهق الشباب المقبل على الزواج، والتي كانت تتمثل في المهر والسكن الخاص، بالإضافة إلى كافة التجهزات التي تطلبها أية عائلة، لتعيدها الظروف الراهنة إلى فهم واقع الشباب والقبول بالحد الأدنى من المتطلبات، ابتداءً بالاكتفاء بخواتم الزواج فقط، وانتهاءً بقبول سكن ابنتهم مع أهل زوجها. وإقامة حفلة صغيرة في منزل العائلة، وهذا ما دفع بالكثير من الشباب للزواج واستغلال الفرصة بتحقيق ما كان يصعب تحقيقه في أوقات الاستقرار.

 يقول «زرادشت» 72 سنة: «معظم الشباب اليوم يسافرون إلى تركيا أو إقليم كردستان العراق للعمل لعدة أشهر وجمع بعض المال، ومن ثم يعودون من أجل الزواج، خاصة المخطوبين، فهي أفضل فرصة لهم، إذ أن غالبية هؤلاء الشباب يسافرون برفقة زوجاتهم إلى نفس المكان الذي كانوا يعملون فيه، دون أن يتكلفوا بشراء الأثاث، إنما تقتصر مصاريفهم على حفلة العرس، أما بالنسبة للمهر بات الأهل يقدمون تسهيلات حتى في هذا الجانب، بحيث يتم شراء بعض الملابس للعروس أو تمنح قيمة المهر وهي بحدود 051 ألف للعروسين من أجل تدبير  أمورهم المعيشية في الغربة بعد الزواج.

الإقبال على الزواج وتبدل العادات

ارتفعت نسبة الإقبال على الزواج في منطقة الجزيرة أكثر من ذي قبل، نتيجة التسهيلات التي يقدمها الأهل للشباب، تعود التغيرات في ذهنية الأهل ونظرتهم لمسألة زواج بناتهم وتقديم التسهيلات، إلى الظروف التي تمر بها المنطقة، وهجرة معظم الشباب للعمل في تركيا وإقليم كردستان العراق، مما أحدث نوعاً من الفجوة بين نسبة الذكور والإناث، يقول زرداشت 72 عاماً من مدينة الحسكة: «نسبة الإناث أصبحت مرتفعة جداً قياساً لنسبة الشباب في المنطقة، ويمكنك أن تلاحظ ذلك في حفلات الأعراس، حيث أن الأغلبية الساحقة هي للإناث». وهذا دفع الكثير  من العائلات  إلى القبول بأول متقدم لخطبة بناتهم، دون الاكتراث بالمهر أو السؤال عن عمل الشاب، وإمكانية توفير السكن، وذلك خشية عنوسة بناتهم، يضاف إلى ذلك بروز ظاهرة الطلاق التي بات شبحها يلوح في الآفاق، والتي تعود في غالبيتها إلى صعوبات اقتصادية.

واقع الحال وفق الاحصائيات

المحامية «وفاء شيخموس» وهي متخصصة في حالات الطلاق والزواج في قامشلو تقول: «ليس لدي معلومات دقيقة عن الإحصاءات الرسمية في المحافظة لهذا العام عن نسبة حالات الزواج والطلاق، لكن هذه النسبة لا تختلف عن العام الفائت، فالظروف متشابهة كثيراً بين العامين». وتضيف: «كل حالة طلاق واحدة يقابلها ما يقارب الثلاث إلى الخمس حالات زواج»، وعن حالات الطلاق التي تقع  توضح  المحامية وفاء: «إن الكثير من حالات الطلاق التي أتابعها تكون لأمور تافهة، قد تكون الظروف المعيشية سبباً رئيسياً فيها، وقلة الوعي لدى الزوجين يساهم في تأجيج الخلافات».226

بالعودة إلى الأرقام الرسمية العامة في سوريا، أكدت الإحصاءات الصادرة عن المحاكم الشرعية خلال الأشهر العشر الأخيرة من عمر الأزمة زيادة معدلات الطلاق عما كانت عليه بمعدل 04%، معلنة ارتفاعها إلى عتبة 55%،  أما في محافظة الحسكة عام2102 فقد سجلت 802 حالات طلاق وفي 3102 سجل النصف الأول فقط 77 حالة، وعن نسبة التزايد في حالات الطلاق في محافظة الحسكة كما أخبرنا  بذلك موظف المحكمة بمدينة قامشلو إلى حدود 09%. وقالت المحامية وفاء: «إن هذه النسبة مغلوطة بالتأكيد، وبحسب توقعاتي فإنها لن تتجاوز الـ 05%»، وإضافة إلى ذلك هناك حالات زواج تعقد في بلدية قامشلو الآن، وهي قليلة جداً، لأن الزوجين مضطرين لتثبيت زواجهم لدى المحكمة الشرعية لضمان الحصول على أوراقهم الثبوتية.

هكذا تبقى الأسباب الاقتصادية والاستقرار الأمني والنفسي، من أهم الأمور اللازم توافرها لنجاح الزواج والاستقرار، غير أن حلم الزواج والاستقرار لدى «نوبار ومحمود» كان أكبر من التغيرات وتقلبات الواقع، وسيبقى هذا الحلم يُراود الشباب لأن الحياة لا تتوقف عند حدود الأزمات والتقلبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أي بلد، ويبقى الأمل موجوداً دائماً رغم الظروف والحرب.

إغلاق