الشعر الكُردي الحديث، ثورة التراث واللغة

خوشمان قادو: مرحلة الشعر الكًردي الحديث، كمفهوم يحدد نمطاً معيّناً، بدأت عام 1930م، وانتقل معها الشعر الكُردي إلى عالمٍ لم يكن غريباً عنه أبداً، تغيرت معها صورة القصيدة آنذاك، لكن في نفس الوقت بشّرت بولادة شعور جديد ليكون بذلك أقرب إلى الحداثة، التي انتشرت بشكل عميق في المجتمع كصيغة للتقدم الفكري. لم يكن بالعمل السهل التمهيد أمام الوعي الكُردي في تقبّلها، خاصةً قصيدة النثر، لأن غرق الوعي في الوزن، القافية، الإيقاع والموسيقى جعله يعيش في مثل تلك الحالة من خلال ما ورثه من الكلاسيكيين. لذلك دخلت الحداثة مرحلة قطع من ثلاثينيات القرن المنصرم حتى بداية الثمانينات من القرن ذاته، ومحاولات بعض الشعراء في تلك الفترة لم تستمر في طورها الطبيعي، لاسيّما الشعراء الكُرد السوريين.موريك---1

الثورة الشعرية الحقيقية التي هزّت بنية الوعي الكُردي دون أي مقدمات فكرية، مع العلم أنها لم تكن حسب معايير علمية أو مناهج عقلية وفكرية، إلّا أنها استطاعت أن تؤسس لثقافة أدبية، كانت بعد الثمانينات من القرن العشرين، فأصبح الوعي أداةً لمعرفة الهوية الكُردية، وكلُّ شيءٍ خضع لتأثير ذاك المفهوم الجديد، وأصبح الأدب الساحة الأوسع استيعاباً لتلك المعركة، ومعها تعالت الأصوات للتأكيد على الذات الكُردية، حيث أنّ الذات الكُردية النقدية لم تكن قادرة على انتهاج الحيادية في توجهاتها. يعود سبب ذلك إلى خضوع الذات الفردية للذات الجمعية في مجتمعٍ طالما كان الكُرد فيه مضطهدين، لذا كان من الضروري أن تكون الحداثة مرافقة لمكونات الأدب والثقافة في المجتمع ذاته، فأدرك الشاعر والأديب الكُردي بأن تراثه وفلكلوره غنيان جداً، ويعتبران خزينة قيّمة يستطيع من خلالهما إنتاج أعمال أدبية رائعة.

لا بدّ من الإشارة إلى أن المرحلة الكلاسيكية للأدب الكردي تبدأ من القرن الخامس عشر، ظهر فيها شعراء مثل علي حريري، الشيخ أحمد نيسابي، فقيه تيران، ملا جزيري، أحمد خاني وآخرون.

أمّا مرحلة العصر الحديث للأدب الكردي فكانت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ويعود الفضل في ذلك إلى الصحف العديدة وإلى الجرائد التي سمحت للموهوبين الشباب نشر قصائدهم، والتعبير عن أفكارهم القومية والاجتماعية، منهم كاميران بدرخان، جكرخوين، عرب شمو وغيرهم.

من جهةٍ أخرى، كان للّغة دورٌ بارز في المشاكل التي ظهرت بشكل كبير في الأدب الكردي عموماً، حيث أن اللغة الكردية وبسبب الظروف التي عاشها الكرد في ظل محاولات طمس لغتهم وثقافتهم وأدبهم، وكذلك غياب مؤسساتهم العلمية والتربوية ومدارس خاصة لتعليم لغتهم، لم ترتق اللّغة الكردية إلى مستوى لغة الأدب والنقد إلّا مؤخراً، وذلك لأن معظم الكتّاب الكرد فضّلوا كتابة مؤلفاتهم باللغة العربية (لغة القرآن) أو الفارسية والتركية.

رغم الامتداد التاريخي للأدب الكردي، وخاصةً الشِّعر الذي بدأ مع المنشدين أو كما يُسمّون في اللغة الكُردية «Dengbêj»، الذين تناقلوا الأدب الكُردي بألسنتهم إلى يومنا هذا، وكانت قصائدهم في قمة الصور الشعرية وبلغة نثرية غير منحوتة، كأنّ الحداثة أتت لتكتشفها، فإننا نتحسس مدى انقطاع الأديب والشاعر الكردي عن روح ذلك النمط الأدبي الفريد من نوعه.

كانت معظم القصائد في المرحلتين الكلاسيكية والعصر الحديث بعيدة كل البعد عن ذاك النمط، ولم يحاول أحدهم الاستفادة من ذهنية وصفاء مشاعر وحواس الـ (Dengbêj)، لذا كان هذا السبب كافياً في توجه الشاعر والأديب الكًردي إلى هذا النمط الذي يحمل بين طياته الكثير من الصور السوريالية والتعبيرية وغيرها، لينهل منه قدر المستطاع، فهو يكفي لعشرات السنين من الكتابة الإبداعية لمن يريد أن يبني أدباً عريقاً لا يشوبه ضجيج المدنية وغبار السياسة.

في الآونة الأخيرة ظهر العديد من الشعراء الذين يعتبرون سليلي هذا الأدب (المبني على الأدب الشفاهي)، فكانت لتجاربهم محاولات فريدة، تُربك المشهد في الوعي الكُردي أحياناً، وتفتح المجال أمام جرأة كان لا بدّ من الإقدام عليها سابقاً.