تربه سبي مدينةُ تُقرعُ فيها الأجراس

محمد مجيد حسين: مدينة «Tirbespî» تربه سبي، تلكَ التي ذاعَ صيتها حينَ قُتلَ على تلتها المعروفة باسم «Diyarê Topê» (تلة المدفع)، الجنرال الفرنسي روكان، و التي تحتفظ في سجل ذاكرتها حين كانت قرية في ذلك الزمان، بصورة الدمار الذي لحق بها على يد الفرنسيين إثر الحادثة.  ثمّ تحوّلت إلى مدينة على أيدي الفرنسيين أنفسهم عام 1925 بعد نقلهم ثكنتهم العسكرية إليها من قرية بياندور.

10301931_665222260192785_7589766317191456280_nهذه البلدة كانت حاضرة أهل الأرياف في المنطقة، عزيز توما من مواليد 1958 قرية «Dêrûna Qulinga» (ديرونا قلنكا) قدم هو الآخر كغيره من أولئك الذين سعوا لإتمام دراستهم إلى البلدة الصغيرة، ثم الانتقال إلى دمشق لدراسة اللغة الفرنسية وآدابها، حيث تخرّج منها في الثمانينات، ليستقرّ بعدها في تربه سبي، البلدة البعيدة عن صخب العالم، ويمارس الكتابة والترجمة، توما من عائلة مسيحية كانت تقطن القرية وتمتهن الحدادة، يستدلّ من اسم القرية أنّها قرية سكنها مسيحيون أيضاً، كما هو واضح من لفظة «Dêrûnê»، والتي تعني الدير «الكنيسة»، وهي إحدى العوائل المسيحية التي سكنت تربه سبي قادمة من «Dêrûnê»، اتسمت البلدة بتنوعها إبان بناء الفرنسيين ثكنتهم فيها، حيث تشكّلت القرية من الكرد والمسيحيين، رغم هجرة الكثير من الشباب المسيحي إلى أوربا وأمريكا، كما هو حال الكرد من أبناء البلدة الآن، إلاّ أنّ البعض آثر البقاء في البلدة.

تربه سبي القرية التي بُنيت على أيدي الكرد في منتصف القرن التاسع عشر، كانت حتى سبعينات القرن العشرين مكونة من الكرد والمسيحيين، إلى جانب العرب الذين بدأوا بالتوافد إليها بعد ذلك، من القرى المُحدثة على طول الشريط الحدودي والذي يُسمّى بخط العشرة «أي عمق 10 كم، ابتداءً من الحدود التركية» والذي طُبق ضمنه مشروع الحزام العربي.

يقول توما أن «الحداثة هي ابتكار الفكر الغربي خلال مسيرته التاريخية إثر صدمات نفسية مغلقة، والتي توصلت أخيراً إلى قبول الآخر واحترام ذاتية الإنسان، والبحث الدؤوب عن الخللِ الاجتماعي لبناءِ عالمٍ أفضل».

يعاني المثقفون بشكل عام أمثال توما؛ من النظر إلى الأمور بموازين نهاية التجربة الغربية إزاء مجتمعاتهم، وابتكار الحلول وكيلها وفقاً لتلك المعايير، ويُدرك المثقفون أنّ المجتمعَ الشرقي عموماً، بما فيه من نماذج شبيهة بمدينة تربه سبي، بحاجة إلى دراسات تحليلية، ومن ثم اقتراح الحلول المناسبة وغير المستوردة، ويتابع توما: «تتميّز هذه البلدة بتنوع عرقي أسوة بباقي المناطق والمدن في الجزيرة، ولكن تدني نسبة التفاعل بين مكونات المجتمع يعود إلى قلة الوعي، وعدم ممارسة الديمقراطية وفقاً لقواعدها الحضارية».

في تربه سبي يسكن أهل المنطقة من العرب إلى جانب الوافدين من عرب الغمر (الذين استقدمهم حزب البعث إلى المنطقة بعد أن غمرت مياه سد الفرات أراضيهم في محافظة الرقة). وعرب المنطقة تسمية تُطلق عادة للتفريق بينهم وبين عرب الغمر، شركاء العيش المشترك، والذين يتطلعون لحياة أفضل في المستقبل، ومن هؤلاء الحاج خيرو أبو الخير الذي يقول : «التعايش هو من صلب حياتنا، وهو الحالة الطبيعية، ولكن ما آلت إليه الأوضاع هي التي جعلت التعايش صعب المنال نتيجة السياسات التي مورست على الشعب».

في ذروة المدّ الشيوعي وانتشار الفكر اليساري، تبنّى الكثيرون هذا الفكر الذي مثّل في السبعينات والثمانينات نوعاً من التحرّر والتوجّه العلماني، شكري عباس من مواليد 1952 «Girêpirê»، من هؤلاء اليساريين، كانت البلدة على موعد معه، كما كانت على موعد مع غيره من المثقفين أمثال توما، عباس يختلف مع الآخرين فيما يخص التعايش في البلدة، فيقول: «الاستبداد هو السبب الأول في عدم انفتاح مكوّنات المجتمع على بعضها البعض، وكذلك قلّة الوعي والثقافة هي التي لعبت دوراً في عدم التعايش، الذي يأتي من عدم تقبل الآخر، شريكنا في هذه الحياة. فالثقافة بمختلف أنماطها تساهم في عملية التعايش، والحياة جميلة تستحقُّ منّا التضحية من أجل غدٍ أفضل».

بلدة تربه سبي التي كانت النموذج الهادئ في العيش المشترك للمكوّنات المختلفة، عانت من تغييرات ديموغرافية ممنهجة، نتيجة السياسات الشوفينية لحزب البعث في المنطقة، ما تزال تحتفظ بذاكرتها العميقة وإرثها المتجذر رغم التحديات المحدقة بها.

عزيز توما يعيشُ حياته الآن هادئاً مثله كمثل أولئك الذين حملوا أحلامهم عبر الثقافة، والتطلع إلى حياة أفضل ووعي أكبر، والتعايش مع الجميع. وكمسيحي يرى؛ كيف أنّ الكثير من العوائل التي لجأت إلى أوربا والدول الغربية، وتركوا أرضهم التي كبروا عليها، ومع ذلك تبقى نواقيس الكنائسَ تُقرعُ أيام الآحاد، كأنها أغنية للسلام والوئام مع الكرد والعرب،  وجميع مكونات المنطقة.