شـــار تخطو خطوتها الأولى

لوحة للفنان التشكيلي لقمان احمد

يستغرق التّفكير فيما يحدث وقتاً وألماً كبيرين وتنسدل على نوافذ التّأمل ستائر ملطّخة بالدّم ورائحة البارود، وتبدو خلف زجاجها المحطّم تلك الحرب الّتي لا يجمّل صورتها الدّميمة أيّ مستحضر أو جراحة، فهي الحدث الّذي لا يبدو من مآلاته سوى الّلون الأسود والحرائق والأشلاء.

في هذا المعترك الضّحل والملغوم، تتعاظم الحاجة إلى لملمة الجّهود واختراق العتمة وإيجاد سبل للتّنفس والحركة لدى محبي السّلام المراهنين على العيش مع الآخر المتمايز، إذ ينبغي أن لا يخفت الصّوت المدنيّ، وأن يجد المدافعون عن قيم التّعايش موطئ قدم لهم، وأن يوسّعوا هوامش حركتهم سعياً لتخفيف وطأة هذا الصّراع الدّموي المنفلت من كل عقال، فحين تعصف رهانات السّياسة والعسكرة والصّراعات الطّائفية والعرقيّة بالسّلم الأهلي وحياة المدنيّين؛ تغدو الأجواء مأزومة ومربكة كما يتحوّل العمل في الشّأن العام إلى ضرب من التّحدي.

«روج آفا»، «الجّزيرة»، «شمال شرق سوريا»، «كردستان سوريا»، «المناطق الكرديّة»، «محافظة الحسكة»، «بيت نهرين» وتسميات أخرى تستعمل في الإشارة إلى مناطق تشكّل مزيجاً حضارياً وأقوامياً لها ميراث في التعايش والعلاقات الوطيدة بين المكونات، من كرد وعرب وسريان؛ كانت الطابع الأكثر وضوحاً والسمة المميزة لمنطقة لم ينتقل إليها سعار الدم والذبح و الاحتراب الحالي، وهذا انبنى على استفادة كبيرة من أخطاء التاريخ، وعلى ميل نحو السلم المجتمعي بالرغم من كل محاولات ضرب المكونات ببعضها.

هي المنطقة التي توزع فيها أعداد مجلتنا الثقافية الجديدة ذات التوجه المدني (شار)، والتي تعد من أكثر المناطق خصوبة للعمل المدني والإعلامي ضمن المشهد السوري الحالي. وهنالك رغبة كبيرة لدى أبنائها – على اختلاف مشاربهم – ليتجاوزوا الظروف المأساوية التي أحاطت بمنطقتهم وباقي مناطق سوريا، إذ لم تدخل في صراعات طائفية ولا مذهبية ولا عرقية ذات طابع جمعي، مع أنها استهدفت مراراً من قبل أطراف كثيرة تعول على استدامة الحروب والدمار.

لا تتبنى شار موقفاً سياسياً بل تنحو باتجاه تقديم صورة عن حياة الناس وظروفهم، وتعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المرافقة للنزاع، كما تسعى أيضاً لإبراز قيم التعايش والتسامح وتعميق الفهم بالديمقراطية وحقوق الإنسان ومفاهيم المجتمع المدني ومقوماته، وحرية الإعلام والمشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة، وتركز أيضاً على كل ما يتصل بالتربية المدنية و التعريف بالمفاهيم المؤسسة للوعي المدني.

الجانب المعاشي والاقتصادي بشكل عام سيكون له حضوره، وكذلك متابعات ومشاهدات للصحفيين الشباب في ظل الظروف الراهنة، وسيكون للصورة موقعها الحيوي ضمن شار؛ لأنها تعطي انطباعات سريعة وعميقة في آن معاً وتنقل المشاهد إلى أجواء الفكرة بدون رتوش أو انزياح، ولن يغفل فيها الأدب والفن من حيث كونهما روافد مهمة لتغذية وجدان الإنسان وتنمية ذائقته وحسه.

التجربة في الكتابة والتحرير بلغتين ربما تكون متعبة، غير أنها جديرة بأن تتابع وتتأصل، كون اللغة الكرديّة تعرضت للإمحاء والتهميش وضيّق عليها، وهي الّلغة الأم للكرد في هذه المنطقة، والّلغة العربيّة عدا عن كونها لغة عرب المنطقة فقد كانت وما تزال لغة التعليم والثقافة الأبرز، والّتي شكلت حاملاً للثّقافة والفكر والأدب والصّحافة، مع توفّر الرغبة العميقة لإضافة الّلغات والأبجديّات الخاصّة بالمكونات السّريانيّة والآشوريّة بمجرد توفر الإمكانية.

العدد الأول بانتقاءاته وتبويباته ومواضيعه سيكون عدداً تجريبيّاً بانتظار المقترحات والنّقد والتّصويبات لكلّ الجّمهور الكريم، ولاسيما أصحاب الخبرة والاختصاص الذين نعتز بآرائهم، على أمل أن يسعى الجميع لتأسيس ثقافة الحوار والجدل الذي يفضي لخلق مناخات صحية بعيدة عن الأحكام القطعية التي ملت منها النفوس في جوٍ تتراكض فيه أشباح الموت ويسوده الدمار، وانهمار القذائف والبراميل.

المحررون

الوسوم