طاعون واحد خير من حريتين !

يوسف شيخو:
في لحظة ما، ودون إخطار سابق، تبعث السماء بقَدرٍ، يلبس ثوب نجم مذنب، متخذاً مساره إلى إحدى حدائق المدينة المطلة على شاطئ بحر مقيد. إنها علامة سوداء، طالع نحس أثار خوف الرعية، نذير شؤم دفع بعرّاف المدينة إلى التنبؤ بأنهم مُقبلون على القحط والمجاعة والموت. إنه «الطاعون»؛ الذي ما إن دنا «بلغ من كثرة الموتى أن يعجز الأحياء على دفنهم جميعاً». ربما كانت اللحظة التي من شأنها هز عرش الحاكم، قبل الرعية؛ الذين يتساقطون واحداً تلو الآخر.00106520527075___P1_1000x1000

من واجب القاضي العام تحذير الحاكم، إخباره أن الوباء ينتشر بسرعة في المدينة، وإنه فاق جميع تدابير الإغاثة، لكنه يقترح إخفاء الموقف عن الشعب. الخبر ضايق الحاكم وأفسد عليه رحلة الصيد. لكن رغم ذلك، استعد للمواجهة، وأمر بإصدار قرار يقضي بحظر التجمع العام، مبشراً بأنّه يكفي أن تهب الريح من البحر حتى ينتهي العدو. وبينما مجلس الحاكم منعقد لبحث ما استجد، يظهر شخص غريب، بشكل مفاجئ. إنه العدو الجديد. هو الوباء القادم طلباً للحكم «الطاعون». يطلب من الحاكم مكانه، منصبه، كرسيه. يمنحه ساعتين لنقل السلطة إليه، وليثبت قدرته على استلاب الحكم بالقوة؛ يأمر مساعدته، أن تشطب اسم أحد حراس الحاكم من دفترها، فيسقط أحدهم بالفعل، قضى بالمرض.

ها هو طالب الحكم يعرض قدرته على هز العروش. ورغم برهانه على إنه قوي بما فيه الكفاية ليقيل الحاكم، يستمر الأخير في رفضه التنازل عن عرشه. لكن في النهاية «ما من خلل لا يستعصي علاجه، ما من خطأ إلا هان إصلاحه، وما من موعد لم يتحقق إلا تيسر تعويضه». وقبل أن تشطب المساعدة اسم أحد القضاة، يسأل الحاكم عدوه عن إمكانية إبقائه وأسرته على قيد الحياة، حال تنازل له عن العرش، وهو الأمر الذي يقبله الحاكم الجديد: فهي عادة متبعة.

اتفق الطرفان وأبرمت الصفقة، يتنازل الحاكم عن السلطة، يفر كأي مستبد، ليست له نيّة في التنازل عن العرش إلا في حال واجه قوة فاقت قدراته، وعُنفٍ تخطى دمويته. وفيما يتناقل البسطاء من العامة خبر انتقال السلطة، يتساءل «نادا»، وهو سكِير المدينة، عن الفرق بين الاثنين، على اعتبار أنه في حال حكم أي منهما سيبقى الواقع كما هو. لكن، ورغم النتيجة، ترى الرعية مندهشين من تصرف حاكمهم الذي أبقاهم لذاك الضباب «القبيح» المتكاثف، ضباب «يذهب ببهجة الموسم ويخنق مرح الصيف». بدأت الحقبة الجديدة، ومعها ستوزع جميع المواد التموينية على الأهالي الذين يثبتون انتسابهم  لنظام الحكم.

لابدَّ من قوانين جديدة، وعلى رأسها حظر التجوال بعد التاسعة مساءً، وكلُّ من يخالف هذه الأحكام سيعاقب وفقاً للقانون الجديد. كما يُحظر مساعدة من يصاب بالوباء، بل يجب إخبار السلطات عنه لتتولى أمره. وإذا أبلغ أحدهم عن أفراد أسرته، من المصابين بالمرض، فإن له حصةً مضاعفةً من المواد التموينية، والتي توصف في النظام الجديد بـ «النصيب الوطني». فالحاكم الجديد يحب الرعية سعداء حسب فهمه هو للسعادة.

يتوجه الزعيم إلى الشعب لإخطارهم بأنّه لا سيادة لغيره، قصره ثكنة، وخيمة صيده ساحة للقضاء. لقد أُعلنت حالة الطوارئ، بدأ تنفيذ الأحكام العرفية، لابدَّ من تقنين طرق الموت، وتعليم الرعية كيف يموتون. سابقاً، كانوا يموتون وفق نظام ثابت، بسبب الطقس الحار، لأنَّ «ثمّة بُلهاء يقتلون طلباً للكسب أو دفاعاً عن الشرف». بعد الآن ستخضع كل هذه الفوضى للانضباط، بحيث تكون ثمّة ميتة واحدة للجميع.

وفي العموم، تكون الانتخابات حرة، لكن الأصوات المعادية للحكومة ملغاة، لأنها «ليست حرّة، بل مُنقادة للعواطف». مدينة الطاعون تمنح مواطنيها الأراضي وتمنعهم من استخدامها، تُخيّرهم بين العيش على ركبهم أو الموت وهم واقفين؛ في النهاية اندمج الشعب، تَروّض، وبات بمقدوره الترديد: طاعون واحد وشعب واحد؛ طاعون واحد خير من حريتين.

لم يَنسَ الحاكم وأد العواطف حرصاً على استقرار النظام. يمنع الحب، يحظره على العاشِقَين «دييغو» المصاب بالوباء، و»فكتوريا» حبيبته، التي تترجاه أن يُعديها. يحاول العاشق أن يبتعد عنها، متوجهاً إلى البحر ليغادر المدينة، ليهرب، وهو الأمر الذي اُكتشف لاحقاً، أنه محظور في دولة الطاعون. يؤكد الشاب المتمرد امتلاكه قوة تفوق نفوذ نظام الطاعون وجبروته، قوة ناتجة عن «خوف وشجاعة». يحاول «دييجو» أن يشعر سكان المدينة بقوتهم، ويدعوهم إلى المواجهة، يردُّ السكان بالرفض تمسكاً بالخبز. وحين يشعر «الطاعون» بالخطر، تجده بدأ حملته، تواقتاً مع اقتناع الشعب بضرورة المواجهة. وبينما تعجز مساعِدة الحاكم الجديد عن قتل هؤلاء، تتوجه إلى الشعب لتخاطبهم: «إن نظاماً مستقراً هو أقل ضرر من تبديله، وإن صلحاً مشرفاً أفضلُ أحياناً من نصرٍ كاذب».

يمرُّ الوقت، و«فكتوريا» تحتضر، ما أجبر «دييغو» على تقديم عرض مُغرٍ للطاعون؛ فالشاب مستعدٌ لتقديم روحه لقاء إعادتها للحياة، غير إن الثاني يستبدل العرض بإحيائها والسماح لهما بالهرب مقابل تركه يسوي أموره مع المدينة؛ «صحيح إن عشر سنوات مع هذه المرأة أفضل من قرنٍ من الحرية لهؤلاء الناس»، لكن العاشق مُقتنع بأنَّ «حُبَّ هذه المرأة هو مُلك له، لكن حرية هؤلاء هي مُلكٌ لهم». وأخيراً تُبرم الصفقة، يتفق «الطاعون» و«دييغو»؛ يترك الأول المدينة لقاء روح الثاني بعد تعذيبه. إنه البحر، ذاك المُنقذ، الذي طوى حِقبَ الكثير من الحكومات «البحر بلدٌ لا جدران له ولا أبواب، فالوباء يكره البحر ولا يريد أن نعود إليه».

إنها «حالة طوارئ»، كثيرةٌ هي التأويلات، التي قد يخرج بها قارئ هذه المسرحية أو مشاهدها؛ وهي تُجسد على الخشبة. تعيش معها الحب، تعاني الاستبداد، تذوق طعم الخيانة، تختبر الإرادة وتواجه الموت. لكن، في النهاية، ستجد نفسك مضطراً لملاحقة تلك الخطوط التي رسمها الفرنسي ألبير كامو، والذي تعد مسرحيته هذه امتداداً لروايته «الطاعون». ذاك الوباء الذي يمنحه كامو صور كوارث وأوبئة تشمل الاستعمار والديكتاتوريات، وقهر الإنسان للإنسان.