الشأن المدني وأزمة تداخل الاختصاصات

تداخلت الأوصاف والمسميات والألقاب بين مشتغلي الشأن العام، وأدى هذا التداخل إلى جملة من التعقيدات والهدر في الجهود والطاقات، ولطالما اقتحم عديمو الخبرة أروقة مجالات عدة ليس لهم إسهام حقيقي فيها، أو خبرة عملية أو مؤهل أكاديمي. ومن المعلوم أن لبعض المهن والاختصاصات ارتباط عضوي بالموهبة والثقافة التراكمية، كأن يخوض طبيب غمار الكتابة الصحفية، أو أن يبدع العامل أو المهندس في الرسم والتشكيل، أما أن ينتقل باحث أكاديمي أمضى عمره في التأليف والبحث، إلى بازارات السياسة والصراعات الحزبية، أو أن يغدو المواطن الصحفي خبيراً ومدرباً في الإعلام والأنواع الصحفية أو محللاً استراتيجياً، حينها تبرز الفجوة ويتعمق الخلل.

بغض النظر عن تمتع بعض التجارب الفردية والجماعية بالفرادة والتميّز، بات من الملح الميل نحو التخصص، ووضع معايير تعتمد الكفاءة أساساً لمأسسة العمل وقطع الطريق على المتطفلين، ففي ظل تأزم الوضع وتنامي الحاجة إلى التنمية؛ تبرز الحاجة إلى الكوادر المتخصصة، أو على الأقل تلك التي تسعى للتخصص وتتلقى مزيداً من التدريب والتأهيل، والمزيد من الاطلاع والقراءة والمتابعة، إذ لا تُغني قراءة بضع كتيبات عن المتابعة اليومية ورصد التغيرات، كما لا تجعل ورشة عمل أو ربما أكثر من الشخص خبيراً حاذقاً.

التداخلات الأكثر وضوحاً هي تلك الحاصلة بين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وعلى الرغم من دخول الأحزاب السياسية ضمن كثير من التصنيفات التي تجعل منها جزءاً من المجتمع المدني، لا سيما تلك التي ليس لديها أجنحة عسكرية، أو لا تطرح خطاباً فئوياً نابذاً للغير، إلا أن المؤدى والأهداف ربما تتناقض بين كلا الحالتين؛ فمن المفترض أن يكون الحزب السياسي مبنياً على برامج سياسية وانتخابية تهدف للوصول إلى السلطة أو التمثيل ضمن أجواء الديمقراطية المأمولة، وتكون أنشطتها ذات الطابع المدني مسخرة في خدمة أهدافها السياسية، بينما تنقلب الآية لدى منظمات المجتمع المدني المستقلة سياسياً؛ فهي مؤسسات للضغط والحشد والمناصرة والتطوع والخدمة، ولها دورها الرقابي على السلطة ومؤسساتها وموظفيها، وفي أحيان كثيرة تتحول إلى حركات ضمير تنطق باسم الشارع وتمارس الفعل الاحتجاجي، وما يحدث فعلاً هو ضياع الحدود بين ما هو مدني ذو صفة مستقلة وما هو موظف لخدمة برامج سياسية.

هنالك أيضاً منظمات مدنية قطعت أشواطاً في بعض الميادين، وتحصلت على دعم من هيئات دولية لتنفيذ برامج وورش ومشاريع، لديها هي الأخرى إشكالاتها ومآزقها التي تماثل غيرها من المنظمات الوليدة أو الناشئة، وإن كانت هذه الإشكالات خاصة بها دون غيرها؛ فبعضها لا ينطلق من الحاجات والضرورات، بقدر ما ينطلق من رغبة الداعم والتي ليس بالضرورة أن تنسجم مع واقع الحال فيستعاض – عندئذ – عمّا هو مؤثر وعميق، بما هو سطحي وفضفاض، وتدخل مشاريعها ضمن دوامة الهدر والتكرار.

في كل الأحوال علينا الإشادة بالرغبة الشديدة لدى عدد لا يستهان به من الداخلين على خط الشأن العام، لأداء دور فعال ضمن العمل المدني، بحيث يغدو الفكر والتوجه المدني متأصلاً وعميقاً ومرتبطاً بالحياة اليومية، وليس حبيس قاعات التدريب وصالونات المثقفين. ولا يصح أبداً رصف الإشكالات والسلبيات فقط، دون إبراز القيمة العظيمة للمبادرات والمشاريع الهادفة للتنمية الحقيقية والمستدامة، والمنطلقة من حاجة المجتمع إلى تشكيل نواة مدنية صلبة لها مقوماتها ضمن منطقة الجزيرة.

وردت إلينا العديد من الملاحظات القيّمة من أصحاب الخبرة والاختصاص ومن الجمهور الذي تلقف مجلة شار في عددها الأول بشغف واهتمام كبيرين، وتمت الإشارة إلى بعض الأخطاء المنهجية والطباعية التي تم التوقف عندها من قبل فريق التحرير لتداركها في الأعداد القادمة.

نشكر جميع من وجهوا إلينا الملاحظات والتصويبات والتي أغنت تصوراتنا عن محتوى المجلة وشكلها.

فريق التحرير