الأحد , 27 مايو 2018
«الهجرة»  قصة الموت الأخير…

«الهجرة» قصة الموت الأخير…

  • الواقع الاقتصادي والتجاذبات السياسية في منطقة الجزيرة المسبب الرئيسي في موجات الهجرة
  • عصابات التهريب تستغل ظروف الحرب للاحتيال على المهاجرين
  • اختلاف الثقافات في بلاد المهجر يرهق المهاجرين ويمنعهم من الاندماج مع واقعهم الجديد

كمال اوسكان: يرقد زانا محمد 03 سنة من مدينة قامشلو/القامشلي، في إحدى مستشفيات مدينة قزلتبه التركية المحاذية للحدود السورية، بعد سقوطه من المبنى الذي كان يعمل فيه، تتحسن حالته، غير أن يديه أصيبتا بالتشوه جراء سقوطه، وتحتاجان لعملية جراحية مكلفة، لا يكفي لأجرائها كل ما أدخره زانا من أموال لقاء عمله في تركيا.

ما دفع زانا المتخرج من كلية الحقوق والطالب في السنة الثالثة بكلية الإعلام، لهذا النوع من الأعمال الشاقة، هي حاجته إلى المزيد من المال لاستكمال المبلغ المطلوب من أجل الهجرة إلى أوربا، وهو يحتاج إلى ستة  آلاف يورو قبل موعد سفره 1/6/4102، حسب ما أخبره المهرب. إن هذا المبلغ الذي يتم رصده للهجرة، لا يعتبر قليلاً قياساً لما تمر به المناطق ذات الغالبية الكردية من ظروف اقتصادية سيئة، فإذا تم استثماره في مشروع صغير، فإن عائلة كاملة يمكن أن تعيش من إراداته، لكن لا أحد يجازف أو يضمن ما الذي قد يحدث في المستقبل في منطقة تشهد توترات وتقلبات سياسية وعسكرية مستمرة.

هذا حال الكثير من الشباب الكرد الحالمين بالهجرة والاستقرار في الدول الأوروبية، بعد أن دمرت الحرب في سوريا كل أحلامهم في البقاء بمناطقهم التي تعاني من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي، وتشهد حالة  من التوتر السياسي بين الأحزاب الكردية، والتي قد تدفع المنطقة نحو المجهول. كما أن هذا الأمر أصبح مثار جدل وتجاذبات السياسة بين تلك الأحزاب، واستغل كثيراً في الحروب الإعلامية بين الأطراف والقوى المتصارعة في المنطقة، حيث  يكيل كل طرف التهم للآخر، بوقوفه وراء هذه الهجرة، من خلال تضييق الخناق على الناس في ظلّ ظروف تعتبر كارثية، أو من خلال تسهيل العبور عبر الحدود بطرق غير شرعية.

الهجرة مغامرات الموت من أجل الحياة
إن الوضع الضبابي الذي تعيشه المنطقة لم يترك خيارات كثيرة أمام شريحة واسعة من الشباب، سوى البحث عن سبيل للهجرة بما تحمله من مخاطر وأهوال في الطريق، أو السقوط  في شرك عصابات  التهريب المنظمة، والتي تتطلب منهم تسليم مصيرهم للموت حتى يتمكنوا من الوصول إلى بر الأمان.

طريق الهجرة محفوف بالمخاطر، خاصة الطرق البحرية منها، ولا تقتصر المخاطر عليها فحسب، بل إن الخطر يكتنف الطرق البرية كذلك، ومن ينجو خلال رحلة الهجرة، يكون سعيد الحظ، خاصة بعد غرق العديد من قوارب الصيد التي استخدمت في نقل المهاجرين بعرض البحر، وما حادثة غرق القارب الذي كان يحمل على متنه عشرات المهاجرين غير الشرعيين من منطقة الجزيرة، قبالة السواحل التركية إلا إحدى النكبات التي حلّت بالمنطقة مع فقدان أكثر من 06 مهاجراً من أبناءها.

عادة ما يحاول المهاجرون غير الشرعيين الوصول إلى أوربا، انطلاقاً من تركيا إلى اليونان القريبة، ومنها إلى باقي أنحاء دول الاتحاد الأوروبي، وإن كانت ألمانيا هي الوجهة المفضلة لدى معظم المهاجرين الكرد، وذلك بسبب شروط الاستقبال، حيث أنها الدولة الوحيدة التي لا تعيد المهاجرين غير الشرعيين، حتى لو ألقي القبض عليهم في دول العبور كبلغاريا أو اليونان العضوتين في الاتحاد الأوروبي وإن أخذت بصماتهم هناك. وتعتبر تركيا معبراً رئيسياً للهجرة غير الشرعية إلى أوربا، لكن حوادث غرق المراكب التي تقل هؤلاء المهاجرين تكررت دوماً، وذلك نتيجة استخدام قوارب صغيرة تسمى «بلم» والتي لا تتحمل أكثر من (01 – 51) شخص، في حين يتم تحميلها بأكثر من 04 شخصاً عن طريق إجبار الناس، حيث لا مجال للتراجع، وأغلب حالات الغرق التي تتم  هي نتيجة الخوف والهلع التي تصيب الركاب من موجات البحر.

مهربين وتجار موت
غالباً ما يعتمد المهاجرون في عمليات التهريب من تركيا إلى أوربا على سماسرة أتراك، يملكون شبكة من العلاقات داخل المطارات، والمعابر الحدودية، وأساليب ومعرفة بالطرق البرية والبحرية، يعاونهم في تأمين المهاجرين غير الشرعيين من المناطق الكردية  بعض السماسرة السوريين.

لهؤلاء السماسرة طرقهم في التهريب، وأساليب وأشخاص يعتمدون عليهم في المعابر والمطارات، لكن ليس كلهم كذلك، فهناك الكثير من المحتالين الذين دخلوا هذا المجال، ويستغلون حاجة الناس في ظل هذه الأوضاع الصعبة التي يمر بها السوريون للوصول إلى بر الأمان والجنة المشتهاة في أوربا، وهناك الكثيرون ممن وقعوا ضحايا بين أيدي هؤلاء.

يعتمد سماسرة التهريب على شراء جوازات سفر تسمى في عُرف المهنة «الشبيهة»، وأغلب تلك الجوازات يتم شراؤها من اليونان، فهي الطريق الرئيسي للعبور إلى أوربا، إذ أن للمهربين شبكة من الأشخاص هناك، يؤمنون لهم كل مستلزمات تلك الجوازات، وتحدد قيمة كل جواز سفر بحدود 0002 دولار أمريكي، يدفعها راغبو الهجرة  بشكل مسبق للمهرب، من أجل الحصول على جواز سفر لأشخاص حقيقين تشبه ملامحهم ملامح من يريد السفر بهذه الطريقة، بيد أنها تحتاج من المهاجر بعض الثقة في النفس، والتكلم قليلاً بالإنكليزية والتي قد تكون بوابتهم للتحايل على السلطات في المطارات، وإلا سيكون مصيرهم الفشل في اجتياز أمن المطار كما حدث مع جمال وخطيبته حين أظهروا ارتباكهم فلم يسمح لهم بالمرور.

 أسد من مدينة حلب في سوريا، أحد أولئك المهربين، احتال على مجموعة  من الشباب القادمين من المناطق الكردية بمبالغ كبيرة تتجاوز 61 ألف يورو، ويروي إبراهيم  قصة صديقه يوسف الذي وقع ضحية لهذا الشخص، مع مجموعة مكونة من ثمانية شبان آخرين، بعد أن اتفقوا على أن يتم  تهريبهم عن طريق المطار من خلال جواز سفر شبيه تم شرائه، وبعد دخول المجموعة إلى المطار، كشف أمرهم وأعادتهم السلطات من المطار، غير أن «أسد» كان قد اختفى بعد أن حصل على ثمن جوازات السفر مقدماً، عن كل جواز ألفي دولار، والحصيلة كانت خسارة  هؤلاء الشباب لكل مواردهم المالية التي جهدوا سنواتٍ لجمعها.

قصص فشل المحاولات
يقول زانا  القادم من مدينة قامشلو «الهجرة بالنسبة إلي كالموت، لم أفكر يوماً أن أترك بلدي لأي سبب، غير أن الظروف أقوى من قدرتنا على تحملها». الظروف الاقتصادية  والمعيشية الصعبة هي التي دفعت بالكثير من الشباب للتفكير بالهجرة، كما فعل «زانا» الذي كان يعيل أسرته المكونة من أربعة أشخاص، من عمله في التجارة، ونتيجة عدم الاستقرار في العمل، وارتفاع الأسعار بشكل عشوائي، بدأت التجارة بالتراجع بشكل تدريجي، «ظهر نوع آخر من التجارة في السوق، وهي تجارة الممنوعات وبشكل علني، يكسب مزاولوها قدراً من المال في اليوم الواحد يفوق مكسبنا طوال عام كامل».

التجارة لم تعد كما كانت، وتراجعت كذلك الكثير من الأعمال والقطاعات التي كان الناس يعتمدون عليها في معيشتهم، ولم يعد أمام الشباب الكثير من الخيارات، فإما البقاء في المنطقة وانتظار المجهول، أو الهجرة والبحث عن لقمة العيش في مكان آخر، خاصة بعد أن باتت شوارع المدن شبه خالية، كل ذلك دفع زانا لاتخاذ قرار الهجرة كما يقول: «كنت أرى المئات من المهاجرين الكرد من الشيوخ والنساء والأطفال يمضون إلى تركيا ومنها إلى أوربا بحثاً عن لقمة العيش وظروف معيشية أفضل، بعيداً عن التوترات التي تشهدها المناطق الكردية بسبب الخلافات بين الأحزاب، والتي وصلت إلى درجة يصعب تصورها ولا يعلم  أحد متى ستنتهي هذه الحالة».

كل محاولات زانا للوصول إلى مبتغاه باءت بالفشل، لكنه لم يخسر الكثير لأنه اكتشف تحايل المهرب قبل فوات الأوان، وهو يحاول الآن نسيان فكرة الهجرة بعد ما حدث له «سوف أبقى في تركيا، وقد اذهب إلى  إقليم كردستان، وأعيش بين أهلي، لأن ساعة واحدة معهم تساوي العمر كله، الآن أحس بالألم الذي تسببت به لوالدتي، لن أهاجر مجدداً».

الوصول يعني حياة سعيدة

وقد تكون الأسباب ذاتها هي التي دفعت نصرالدين أحمي «أبو رامان» 34 سنة من مدينة قامشلو، على الهجرة  إلى ألمانيا، بعد أن خرج من سوريا نتيجة نشاطه السياسي، ومشاركته في الحراك السلمي في كل من العاصمة دمشق وقامشلو، واستقراره بمدينة أنطاكيا التركية لفترة من الزمن، قام خلالها بتأسيس «بيت قامشلو»  الذي هدف إلى إيواء السوريين القادمين إلى تركيا، غير أن عمله كان تطوعياً لا يكسب من ورائه ما قد يساعده على تأمين معيشة أطفاله الستة،  يقول أبو رامان: «الوضع الاقتصادي كان صعباً جداً، لدرجة حرم بسببه أطفالي من الدراسة، مع ذلك لم أكن أرغب في ترك أنطاكيا، لكن الأمور وصلت إلى مرحلة لم أعد قادراً معها على دفع الفواتير وأجرة البيت»، قدّم أبو رامان طلباً للسفارة الألمانية عندما سمع أنها ستمنح اللجوء لمجموعة من السوريين، قُبل طلبه، ثم وصل إلى ألمانيا بيسر وسهولة بمساعدة البعض من أصدقائه، فتغيرت حياته كلياً، يقول أبو رامان «خلال ساعتين تغيّر كلّ شيء بالنسبة لي، الطبيعة، الناس، كنت التفت حولي لكن لا شيء يشبهني، تساءلت كيف لي أن أبدأ من جديد»، قبل ثلاثة أشهر، وصل أبو رامان إلى ألمانيا، يحاول الآن أن يتكيّف مع واقعه الجديد في بلد المهجر، الذي يختلف فيه كل شيء عن بيئته التي قدم منها، ما يشكل هاجساً وتخوفاً جديداً لديه، رغم كل الإيجابيات التي حصل عليها، لوجوده في بلده الجديد، يشعر أبو رامان بأنه متطفل على هذا المجتمع وضائع، يفقد التركيز ويخشى من المستقبل، يحاول أن يمضي أوقاته في الصلاة أحياناً، أو الخروج لممارسة الرياضة، أو تفريغ شحناته العاطفية من خلال الانترنت؛ وهي وسيلته الوحيدة إلى عالمه وأصدقائه.

كان للصدفة دورٌ كبير في وصول فلك محمد خريجة كلية الإعلام من مدينة ديريك (المالكية)، بسهولة إلى السويد، من دون أن تتحمل أهوال طرق التهريب ومخاطرها، كونها تحمل الجنسية التركية، حيث كانت تعيش حياة سعيدة في دمشق منذ 81 عاماً مع عائلتها الصغيرة المكونة من ثلاثة أفراد، والتي تمتعت بأوضاع مستقرة، لكن الحرب أجبرتها على ترك دمشق والعودة إلى مدينتها، ومن ثم الانتقال إلى إقليم كردستان العراق، وعن قرارها بشأن الهجرة تقول فلك: «الفكرة جاءت من خالي الذي أراد إرسال أولاده إلى السويد، فاقترح على والدتي أن أرافقهم في سفرهم، وافقت على ذلك، وهكذا تمت المسألة فجأة من دون أي تخطيط»، على الرغم من أن فلك لا تخفي سعادتها بوصولها إلى هذا البلد الجميل، والذي تبدو فيه الحياة سهلة، وفرص العمل متوفرة حسب وصفها، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه، أن تخفي شوقها لبلدها «لا توجد حياة كاملة، دائماً هناك تضحية أينما نكون، نفتقد إلى الحياة الاجتماعية التي كنا نعيشها في مناطقنا، بسبب طبيعة العلاقات الاجتماعية  الأوروبية وانشغال الناس هنا».

بدأت فلك بدراسة اللغة السويدية التي  تعتبرها من الأولويات الآن، ومن ثم قد تنتقل إلى بريطانيا لاستكمال دراستها، لا تتصور فلك أنها قد تقضي بقية حياتها مهاجرة ومغتربة، وتؤكد لأصدقائها أنها ستعود حالما تتحسن الأوضاع في سوريا، فهي تعتبر وجودها فرصة لتحقيق أحلامها وتطوير  ذاتها فحسب.