الإيزيديون .. قصة رحيل مستمرة


نوبار إسماعيل:
بدت قرية «قزل جوخ» التابعة لمدينة عامودا خالية من سكانها، وبدا الصمت مخيفاً عند الدخول إليها، بنظرات خاطفة ومن مسافة بعيدة أثناء مرورنا، استطعنا رؤية بعض أبنائها، أحد الأطفال كان يعود من  تجارته، وفتياتٌ أخريات كنّ يقمنّ بأشغال المنزل الريفي، دخلنا القرية واستضافنا صديقنا هناك، أردنا التحدث في تلك الأجواء، غير أن المطر لم يدع حديثنا يغدو علنياً في الهواء الطلق، فاضطررنا للجلوس في تلك الغرفة التي كانت تحوي يوماً ما غالبية أبناء الديانة الإيزيدية في المناطق المجاورة لها، والتي كانت تحمل لوحة كبيرة تحوي صورة «طاووس ملك» وقبة «ديارى فلكى» واثنين من رجال الدين يعزفون على الشبابة والدف، الآلتان اللتان يعزف عليهما أثناء أداء الشعائر الدينية.

دار الحديث عن الفتى الصغير وتلك الفتاة التي كانت تنشر الغسيل، ذاك الطفل الذي أفهمه والداه منذ نعومة أظفاره بأنّ كلّ من حوله من الأديان الأخرى يحاولون إبادته وإخراجه عن ملته الإيزيدية، فليس ثمّة من يفهمه أو يتفهمه ممن يحيطون به، سواءً إن أراد الدراسة, فسيكون حينها مجبراً على قراءة وحفظ القرآن الكريم دون دينه الأصلي، إما إن أراد العمل في التجارة, فإنه لن يجد من يبيعه البضاعة، عندها لن تكون أمامه حيلة سوى العودة إلى أرضه والعمل بها، إلى جانب أخواته ريثما يحين موعد هجرته.

أصدقائه من المسلمين كانوا يرون فيه إنسانا كافراً لا يعبد الله، دون أي فهم لدينه أو عقيدته، وهو نفسه لا يفهم لما كل هذه التصرفات تجاهه، يعود إلى البيت ويعيش منزوياً عن زملائه في المدرسة الذين أحاطوه مرة تلو الأخرى بدائرة تمنعه من الخروج منها على سبيل المزاح، يصيح ليفتح أحدٌ ما دائرته حتى يستطيع الخروج من منظومة العادات والتقاليد المتعلقة بعقيدته،وتتردد جملة والده في أذنيه «مستقبلك يا ولدي ليس هنا»

كان معلموه يدرّسونه القرآن، فكان مجبراً على التفوه بكلمات تعتبر خطيئة لديه، وكان قد تعلّم من أبويه وأجداده «علم الصدر» الإيزيدي لعدم وجود كتب دينية تخص ديانته بسب الحرق والدمار الذي طالها.

الفتاة هي الأخرى أجبرها أهلها على ترك صفوف الدراسة والعمل في المنزل خوفاً عليها من الخروج عن تقاليد دينها، أو أن تتأثر بصديقاتها من الديانات الأخرى، أو حتى أن يرتبط قلبها بشاب مسلم أو ما إلى ذلك، فتصير عند أهلها في عداد الأموات، ربما كانت تأمل في أن تصبح متعلمة وتحمل شهادة جامعية كالبعض القليل جداً من صديقاتها، لكن انغلاق المجتمع وعدم تقبله لدينها منعها من ذلك.

الطفل يعلم أن الخوف والانزواء عن الجوار جعله يتواجد في هذه القرية، لذلك لا يظهر أسرار دينه أمام الآخرين، أملاً في الاحتماء من المعاناة، في حين أنّ كثيرين من أبناء جلدته ودينه في نواحي عفرين خرجوا عن تعاليم الدين الإيزيدي الصارمة ولا زالوا يصرون بأنهم على دينهم، علماً أنهم باتوا مخالفين لجملة الطقوس والشعائر في الدين الأيزيدي نظراً للتزاوج الحاصل فيما بين طبقاتهم، وميل الكثيرين منهم للتخلي عن صرامة التعاليم الدينية.

هناك في عفرين والتي تضم أكبر نسبة من الإيزيديين في سوريا موزعين على ثمانية عشر قرية إيزيدية، بات الكثيرون من  أبنائها بعيدين كل البعد عن تقاليد دينهم، لابتعادهم وقلة تواصلهم مع أمراء المجلس الروحي، في حين أن عدد القرى الإيزيدية القريبة من مدينة الحسكة تبلغ خمسة وعشرون قرية، وفي عامودا تسعة قرى، وفي الدرباسية قريتان، وفي سري كانيه أربعة عشر قرية، إضافة لستة قرى في منطقة تربه سبي، وغالبية هذه القرى لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، لكن ضجيج الحياة خافتٌ, عكس ما كانت عليه منذ أعوام.

يبلغ الطفل الإيزيدي مرحلة الفتوة وليس بمقدوره حلق شاربيه – بحسب التقاليد المتبعة – وسرعان ما يستعد للرحيل والالتحاق بأبناء جلدته في الخارج، وغالباً ما تكون الوجهة هي ألمانيا التي توفر له ولدينه الإيزيدي الأمان وتمنحه الحقوق، والفتاة إما أن ترحل مع أهلها أو تنتظر زواجها من أحد أبناء طبقتها، سواء كانت من «الشيوخ» أو «البير» أو «المريدين».

كلاهما يعلم أن مسلسل حياة أجدادهم كان الهروب من المآسي والمجازر التي بلغت اثنين وسبعين مجزرة موثقة طوال تاريخ الدين الإيزيدي، حتى إن بعضهم تظاهر بالإسلام لدرء الهلاك عن نفسه وعن أهله في فترات الاضطهاد الديني المتتابعة.

يدرك كلاهما أنهما لا يملكان حقوقاً على أرضهم بالرغم من أن دينهم  هو دين الارتباط بالأرض والطبيعة، وهذا ما يُفسر قلة وجود الإيزيديين في المدن، فقد سعى النظام لتجريدهم من الجنسية وسلبهم الكثير من أراضيهم إلى جانب منعهم من بناء معابدهم الدينية، كما حاول النظام الترويج بأنه الوحيد الحامي لوجودهم والذي يحول دون إبادتهم.

يلاحظان أن ثقافة غير ثقافتهم  تنتشر في الأنحاء، فيشعران بالنقص والحاجة للاكتشاف, ويتعمق لديهما الخوف من الآخرين، ويتوجسون من أصحابهم من الديانات الأخرى، الذين – ربما لا زال لديهم دافع لإبادتهم – وربما يضطران لإظهار الود وابتداع طقوس جديدة  لخلق جو من الألفة، ومشاركتهم في إحياء مناسباتهم الدينية وطقوس الختان التي سيحمل فيها الشخص الذي يختن الولد في حضنه اسم «كريف».

قد يذهب هو أو تبقى هي؛ غير أنّ الطقوس و العادات والهواجس لا يمكن أن تبقى حبيسة الصدور والغرف والقرى المتوجسة في زمن الإعلام الذي بات يسلط الضوء على ديانتهما اليوم، كما أصبح أقربائهما يفكرون في أن الجانب الآخر بات متفهماً للاختلاف في الدين والعقيدة فخرجوا عن مخاوفهم وشرعوا في تدريس تعاليم دينهم، وطباعة كتب خاصة بمعتقداتهم بعد اندلاع الثورة، وظهور تحولات واضحة في الوضع لصالح الانفتاح وكسر الحواجز، وقد سعوا أيضاً جاهدين للتقارب فيما بينهم من خلال تأسيس فرقة لالش التي كانت فلكلورية من حيث الظاهر، لكن كان لها أهداف أخرى اجتماعية و ثقافية.

رغم المحاولات الخجولة لربطهم بأرضهم يبقى التخوف من الإبادة قائماً بعد ظهور الجماعات التكفيرية في السنوات الثلاث الأخيرة، وهنا ليس بمقدورهما سوى إقناع أهلهما بالهجرة؛ فلا وجود لتلك الجهود الجبارة التي تقنعهما بالبقاء مع عائلتيهما، بالرغم من انتشار الوعي بين الإيزيديين وتخرج شبابهم وشاباتهم من الجامعات وتعيين البعض منهم في الدوائر الحكومية.

الجزيرة كانت مركزاً لزيارة الأمراء والشيوخ من معبد لالش والمعبد الروحاني، في حين أن إيزيديي عفرين لم يحافظوا على طبقاتهم وخرقوا قوانين الدين الإيزيدي نتيجة اختلاطهم بباقي سكان المنطقة.

ويبقى السؤال؛ أية جهود تلك التي ستربط إيزيديي الجزيرة وعفرين بأرضهم وتؤمن لهم الأمن والاطمئنان وتدفع عنهم الخوف من المجهول؟ وأية جهة ستمنحهم الحق في بناء دور العبادة وإحياء الأعياد وممارسة الطقوس التي رأت النور مؤخراً؟.

الوسوم