روسيليني وروما “المحتلة”

يوسف شيخو: في نهاية العام 1944، كانت العاصمة الإيطالية روما، المباحة للأقوى، محررة لتوها من الجيش النازي المتحالف مع الفاشية الإيطالية بزعامة بنيتو موسوليني، فيما كانت بقية أجزاء البلاد خاضعة إما للمحتل أو تشهد معارك التحرير ضد سلطته. حينها، بدأ رائد الواقعية الإيطالية، روبرتو روسيليني، بإنجاز واحد من أكثر الأفلام «سلمية في تاريخ السينما». تحدى فيه الظروف الإنتاجية الصعبة في بلد مدمر، وسط شح الميزانية وغياب الاستوديوهات، ويقوم بنقل المشهد للشاشة بتقنيات بسيطة وعبر ممثلين في معظمهم هواة، ويصنع واحداً من أهمّ كلاسيكيات السينما العالمية.

يرسم روسيليني في لوحته «روما… مدينة مفتوح»، المناخ الأمني القاسي الذي يعانيه سكان المدينة، تحت حراسة عيون البوليس السياسي النازي (الجوستابو)، مع التركيز على السلوك الوحشي للمحتل، وهو ما أجبر المقاومة الوطنية «المغامرة» على النشاط السياسي والمسلح، في ظل ظروف بالغة الخطورة. لكن، وبالرغم من ذلك، لم ينسَ روسليني (1960-1977) التوقف عند محطات العلاقات الإنسانية، بغية تسليط الضوء على تفاصيل حياة المجتمع الإيطالي آنذاك.

يتناول العمل، الذي شارك في كتابته كل من فيدريكو فيلليني وسيرجيو أميدي، أحداث العام 1944، حيث ينزل روسيليني بعدسته إلى شوارع روما، التي كانت قبل أشهر فقط، ساحة صراع بين الجوستابو وخلايا المقاومة المسلحة. وينطلق الفيلم من لحظة اقتحام منزل أحد أبرز نشطاء المعارضة (مانفريدي)، وهو من أهم المطلوبين ضمن قائمة النازيين في روما، بتهمة قيادة «لجنة التحرير الوطني»، والذي يلجأ بعد اكتشاف مكان إقامته إلى شقة رفيقه، عامل الطباعة (فرانشسكو). ومع وجود مانفريدي في منزل صديقه، تتحول البناية التي يقطنها فرانشسكو إلى وكر للمعارضة، وينضم الصغار والنساء إلى المقاومة الوطنية.

كما يتعاون بعض رجال الدين (القس الدون بياترو) مع المقاومة، مستغلين مكانتهم التي أبعدت عنهم الشبهات. ومع مرور الوقت، يكتشف النازيون، عن طريق أحد الوشاة، مقر إقامة مانفريدي، حيث يحاصر جنود نازيون، البناية ويعتقلون عدد من رجالها، ومن ثم يأتي مشهد مقتل خطيبة فرانشيسكو (النجمة آنّا مانياني)، رمياً بالرصاص أمام المبنى، وهي تركض وراء سيارة الجوستابو التي اقتادت فرانشيسكو، وهو موقف اعتبره نقاد، واحداً من أقوى المشاهد في تاريخ أفلام الحرب.

بالعودة إلى أحداث الفيلم؛ نجد أن مجموعة من المعارضة المسلحة تنجح في تحرير الرجال الذين اعتقلوا في المبنى السكني، عبر كمين نصبوه للبوليس عند أطراف روما، غير إن الجوستابو يتمكن أخيراً من الإيقاع باثنين من أهم المعارضين، القيادي مانفريدي والقس بياترو؛ وبرفقتهما آخر، وبعد التحقيق وما يرافقه من تعذيب وحشي، يقضي مانفريدي في المعتقل، فيما يعدم القس رمياً بالرصاص،. ويمكن اعتبار هذا الموقف أحد أهم المشاهد المؤثرة في الفيلم، حيث يربط بين إعدام القس من جهة، واستمرار المقاومة ضد النازيين؛ وذلك بإظهار تلاميذ القس، وهم يسمعون رجل الدين المنهك، صافرات النصر قبل تنفيذ حكم الإعدام بلحظات قليلة.

عرض الفيلم لأول مرة في مهرجان «كان» السينمائي عام 1946، وحاز على جائزنه الكبرى. واللافت أن العمل، الذي يطول لـ 107 دقيقة وصور بتقنية الأبيض والأسود، لم يحظ باهتمام الجمهور حين عرض في الدورة الأولى للمهرجان، لكن النجاح جاء في باريس، كما يؤكد روسليني إنه «حقق نجاحاً معقولاً في إيطاليا نفسها (لاحقاً). أما عروضه الأميركية فقد أسفرت عن نجاح ما بعده نجاح».

في الواقع، قيل الكثير عن «روما.. مدينة مفتوحة»، كما تحدث المخرج نفسه مطولاً عن العمل، وفي مناسبات عدة، حيث يصف روسيليني لوحته المدرجة تحت خانة الواقعية الجديدة، بأنها «فيلم الخوف، خوفنا جميعاً، وبالأخص خوفي أنا. فأنا الآخر كنت مضطراً للاختباء، وأنا أيضاً كنت هارباً، وكان لي أصدقاء ورفاق ألقت السلطات الفاشية القبض عليهم وقتلت بعضهم. لقد كان خوفاً حقيقياً، لربما من الجوع، أو من التعذيب، في تلك المدينة المفتوحة». ويزيد المخرج في مكان آخر بالقول: «كنا قد عشنا كوارث الحرب ومررنا بها، لذلك لم يكن في وسعنا أن نسمح لأنفسنا بترف اختراع حكايات خيالية».