في أصل الثورة والحرب

مجيد محمد: لا تزال الحرب والثورة القضيتين السياسيتين المركزيتين، اللتان حددتا ملامح القرن العشرين، وانسحبت مركزيتهما تلك إلى قرننا الحالي، يرى حنّة أرندت في مؤلفه «في الثورة» أن كلتاهما «الحرب والثورة» تميزت عن عقائد القرن التاسع عشر مثل القومية، الأممية، الرأسمالية، الإمبريالية، الاشتراكية، والشيوعية، رغم أن كثيرين ما يزالون يركنون إليها باعتبارها مسببات مبررة، لكنها فقدت الصلة بالوقائع الرئيسية لعالمنا هذا.

بقيت كل من الحرب والثورة، رغم انقضاء مبرراتهما العقدية، لكن ومع وجود ثوابت عديدة، تكتنف مفهوم الإبادة الكلية بأداة الحرب في مقابل الأمل بتحرير الإنسانية من خلال ثورات يقوم بها شعب بعد آخر، وبتعاقب سريع، مكّنت هذه الثورات الشعوب على توزيع السلطات الدنيوية التي اكتسبتها من الطبيعة والقوانين الإلهية، ولم يعد المكان يتسع سوى للقضية الأقدم وهي «الحرية إزاء الاستبداد». التي شكلت مبرراً لوجود السياسية منذ بدء التاريخ.

on-revolutionلكن، ما من قضية أو مفهوم تعرض للتغيّب أكثر من الحرية، حتى من قبل الثوريين الذين يفترض بهم التمسك بها، فباتوا هم قبل غيرهم ينزلونها لمرتبة الحكم المسبق من أحكام الطبقة الوسطى بدلاً من الإقرار بأن هدف الثورة كان ولم يزل هو الحرية. ومع كل ذلك، فرضت الحرية نفسها مؤخراً على معظم النقاشات السياسية والتي خاضت في مسألة الحرب وموضوع الاستخدام المبرر للعنف، فالحرب تاريخياً، من أقدم الظواهر المدونة، بينما لم تكن للثورات تاريخٌ قبل بداية العصر الحديث، وبعكس الثورة، لم تكن الحرب مرتبطة بمفهوم الحرية إلا نادراً، رغم أن الانتفاضات الشبيهة بالحروب ضد المستعمر الأجنبي لطالما اعتبرت مقدسة لكن لم يعترف بها، على أنها جزءٌ من الحروب العادلة الرامية للحرية.

مبررات الحرب، في المستوى النظري قديمة، على الرغم من أن العلاقات السياسية في الإرث اليوناني القديم في السياق الطبيعي لها، لا تقع تحت رحمة الممارسة العنفية، فكانت اليونان تعرّف نفسها بشكل صريح بأنها «طريقة حياة، تقوم بشكل حصري على الإقناع وليس على الإكراه أو العنف». لكن وبما أن الحياة السياسية للإغريق لم تكن تمتد خارج أسوار المدينة – الدولة – فإن استخدام العنف خارج تلك الأسوار  لم يكن يحتاج إلى تبرير ، وهذا يمكن مقابلته اليوم بما يسمى «الشؤون الخارجية – العلاقات الدولية»، يقول ثوقيديدس المؤرخ الأثيني في القرن الخامس قبل الميلاد: «القوي فعل ما بوسعه، والضعيف قاسى ما يجب عليه أن يقاسيه».

مع ظهور الإمبراطورية الرومانية، كان التبرير الأول للحرب، يتمحور حول وجود حروب عادلة وأخرى غير عادلة، لكن تلك المبررات الرومانية لم تضع حداً فاصلاً بين الحرب العدوانية والحرب الدفاعية، يقول ليفي «إن الحرب الضرورية هي حرب عادلة، أما السلاح فهو مقدس، إذ لا أمل قط من دونه». الضرورة بالمعنى الذي قدمه ليفي كانت تعني أشياء كثيرة، وهي تكفي اليوم لنعت حرب ما بأنها غير عادلة، بدلاً من نعتها بالعادلة. فالفتح أو التوسع أو الدفاع عن المصالح أو الحفاظ على السلطة نتيجة ظهور دول جديدة مهددة، أو تأييد توازن قوى معين، لا تمثّل فقط أسباب اندلاع معظم الحروب في التاريخ، بل هي «ضرورات»، ودوافع مشروعة لتنفيذ قرار بقوة السلاح.

لقد اكتسبت فكرة اعتبار العدوان جريمة، وأن الحرب لا يمكن أن تجد مبرراً لها إلا لصد ذلك العدوان أو الحيلولة دونه، أهميتها العلمية والنظرية بعد الحرب العالمية الأولى، والتي أظهرت القدرة التدميرية للحروب مع ظهور التقنية الحديثة، ولربما كان غياب الحرية من مبررات الحرب التقليدية ووجودها كملاذ أخير في السياسات الدولية، هو ما شد المشاعر مؤخراً كلما جرى حشرها في النقاشات التي تتناول موضوع الحرب، أما الإفصاح صراحة بالقول «أعطني الحرية أو أعطني الموت» في مقابل القوة التدميرية الحديثة، فهو كلام أجوف وسخيف، وواضح تماماً أن مخاطرة المرء بالحياة من أجل حياة بلاده وحرية وطنه وخلود أمته، أمرٌ يختلف كل الاختلاف عن المخاطرة بمصير الجنس البشري. وليس صعباً الارتياب من شعار «الموت أفضل من العبودية»، والذي لا يعني أبداً القول أن «العبودية أفضل من الموت»، فأصحاب الشعار الأول يفكرون بأن الخسائر قد لا تكون عظيمة بالقدر الذي يتوقعه البعض، وبأن حضارتهم ستبقى حية، بينما يفكر أصحاب الشعار الثاني بأن العبودية لن تكون بالأمر السيء، فالإنسان لن يغيّر من طبيعته، ولن تختفي الحرية من الأرض إلى الأبد. إن كلا الطرفين يراوغان لتفادي البديل المنافي للعقل والذي يتبنانه.

إنه لمن الضروري التمييز في المستوى النظري والعملي بين الحرب والثورة، رغم الارتباط الوثيق بينهما، فلا يمكن تصور الثورات والحروب خارج ميدان العنف، وهذا كفيل بوضعهما خارج الظواهر السياسية الأخرى، فالعنف من بين القواسم المشتركة بين الثورة والحرب، ولا يمكن إنكار أن الحروب قد تؤدي إلى ثورات، وأن الثورات قد تؤدي هي الأخرى للحروب، فحجم العنف الذي نجم عن الحرب العالمية الأولى، كان كافياً لإحداث ثورات بعد انتهاءها، حتى بدون وجود عرف ثوري، أو حتى في ظل غياب حدوث أي ثورة في السابق على الإطلاق.

ولا يمكن للعنف أن يقرر بشكل كامل حدوث الحرب أو الثورة، فحيث يسود العنف بشكل مطلق كما هو الحال في معسكرات الاعتقال في الأنظمة الشمولية، يبقى كل فرد ملتزماً الصمت، وهذا الصمت يجعل من العنف ظاهرة هامشية في الميدان السياسي، وبحسب التعريفين الذين وضعهما أرسطو للإنسان «الإنسان كائن سياسي» و «كائن مزود بالنطق»، فإن النطق بالكلام لا طائل منه حين يواجه بالعنف، ونتيجة لعدم النطق فإن السياسة لا تملك ما تقوله بشأن العنف، وهنا يترتب عليها ترك المجال إلى الفنيين.

ولأن الفكر السياسي لا يتبع إلا صياغات للظواهر السياسية، فهو يبقى محدوداً في مجال الشؤون الإنسانية، وهذه تحتاج إلى كلام وصياغة، أما النظرية الحربية أو النظرية الثورية فهي لا تبحث إلا في تسويغ العنف، لأن هذا التسويغ يؤلف حدّها السياسي، وإذا وصلت عوضاً عن ذلك، إلى تمجيد العنف أو تسويغه بوصفه عنفاً، فإنها لا تعود نظرية سياسية، بل نظرية مضادة لما هو سياسي تماماً.

وبقدر ما يلعب العنف دوراً رئيسياً في الحروب والثورات، فإنهما معاً تظلان خارج الميدان السياسي، رغم دورهما الكبير في التاريخ المسجل، وهذه الحقيقة جعلت القرن السابع عشر الحافل بالحروب والثورات إلى افتراض حال من حالات ما قبل السياسة تدعى «حال الطبيعة» واستمرار هذه الحال في الميدان السياسي إلى يومنا هذا، يكمن في الاعتراف بأن الميدان السياسي لا يوجد بشكل آلي أينما عاش البشر معاً، وبأن ثمّة أحداثاً وإن حدثت في سياق تاريخي فإنها ليست سياسية حقاً، وربما لا تتصل حتى بالسياسة.

إن العنف يمثل البداية لظاهرة الثورة، وهذا أمر واضح حتى في البدايات الأسطورية لتاريخنا، كما يرويها التراث التوراتي والكلاسيكي مثلاً: قابيل قتل هابيل، فالعنف كان البداية، ولا يمكن إحداث أية بداية تفضي إلى ثورة ما، من دون استخدام العنف.

  • هوامش: حنّة أرندت: في الثورة، ت: عطا عبدالوهاب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 8002، ص 31-42.