الأحد , 27 مايو 2018
وسادة

وسادة

خوشمان قادو: صوت المدافع التي أُطلقت من مطار مدينة قامشلو لأول مرّة، كان أكثر علواً من صوت فزع والدتي، الذي أيقظني من نومٍ كان ثمنه حبة (كيتوتيفين) لمعالجة التهاب الأنف التحسسي، أتناولها أحياناً نظراً لتأثيراتها الجانبية التي تؤمن لي نوماً عميقاً أكثر من مفعولها، بعد منتصف الليل بأقل من ربع ساعة تقريباً، عدّة قذائف مدفعية أُطلقت باتجاه قرية تل حميس.

مدينة قامشلو، كما تلفظها أكثريتها الأثنية، في لحظة واحدة غدت أُذناً واحدةً، والأناس دون درايةً بأي شيء بدأوا بترتيب مشاهد في مخيلتهم كانوا قد امتلكوها من غناهم البصري لمتابعة الأخبار، والدتي هرعت إلى النافذة، غير أن العتمة أفزعتها أكثر، وجود أخي الذي يصغرني بسنتين وأختي التي تكبرني بأربعة سنين مع زوجها لم يهدّء من روع والدتي، متثاقلاً فتحت عيناي، وجودهم واقفين قرب النافذة كان يطمئنني من ناحية، أمّا سبب وقوفهم فقد أدى لتباطئ مفعول التأثير الجانبي للحبة بضع دقائق، سؤالي عن اضطرابهم كان في غاية البرودة، وجوابي كان عميقاً بعمق النوم الذي أحتاجه دوماً في هذه المدينة «عودوا إلى النوم ما من شيءٍ يدعوا إلى القلق»، لكن أخي وصهري كانا أكثر فضولاً مني لمعرفة ما يجري، مع العلم أن عملي كان يتطلب مني أن أكون قريباً من الحدث، لذلك التجأ أخي إلى جارنا الذي يلبس بنطالاً عسكرياً مموهاً دلالةً على درجة شخصيته المسؤولة- حديثه المتثاقل في اللفظ لا يبرر أهميته أكثر من سذاجنه غير المعلنة – لبّى النداء فوراً، وحضر إلى منزلنا ليتصل بأحد أصدقاءه في الأسايش متحدثاً معه وكأنه حامي المدينة كلها، بعد انتهاء المكالمة طمئن الجميع وقال: «لا تخافوا ما من أحدٍ يستطيع أن يقترب من قامشلو»، من أكثر إنجازاته في تلك الليلة كانت مبادرة أخي وصهري باحتساء الشاي الذي حضّرته والدتي لهم، من أروع الليالي كانت في حياة جارنا حيث يجالسه لأول مرة في محرسه الكائن في الطابق الأرضي لبناية على العظم لِصق بنايتنا شابان مثقّفان يرضيان على الأقل كيانه الساذج في الحي، جارنا من بائع للدخان في مفرق بيتنا إلى حارسٍ كَلَّف نفسه بنفسه لذلك، وعفا عن كل شبان الحي من الحراسة ليصدر قراراً للبدل النقدي كأجرٍ كان يفتقد إليه قبل الثورة، ليغدو فيما بعد سوبرمان الحي يأتي بالخبز والغاز، وكل ما يحتاجه الأهالي دون تعبٍ وكلل.

صبيحة اليوم الثاني، مرحلة الاستفسارات والأخبار، هل ستنتقل المعركة إلى المدينة، فزع الكبار لم يستطع أن يخترق دهشة الأطفال، الحقائب في أغلب البيوت كانت أسيرة ليلة مرهقة لا تعرف أين ستكون وجهتها، الأطفال قرب الحقائب يبحثون عن ملابسهم حتى يتسنى لهم الخروج واللعب، الأقارب والأصدقاء في المدن الأخرى يتصلون مع ذويهم للذهاب إليهم، لا أحد يصرّح بشيء، لا أحد يعلم ما يجري، باتت المدينة عبئاً على كنهها. عصرَ اليوم نفسه، أمام مطعمٍ، الشاوي يُجهّز ما يخفّف من قلق الأناس الواقفين حوله، والجميع بنظرة ثاقبة يحدقون بطائرة على علوٍ غير معتاد، حركة يد الشاوي وهي تنفض الحرارة عن اللحم كانت تنقل مشهد ما قامت به الطائرة في أماكن كثيرة، في تلك اللحظة غدت رؤوس الناس في قامشلو وكأنها صحون تدور مع قمرٍ صناعي.

كل شيء يطول في قامشلو، حتى الألسنة، مثل شارع الكورنيش الذي يمتد في أفواه الكلاب التي تجتمع في منتصف كل ليلة عند مفرق المصارف بجانب بنايتنا، التي لولاها ربما كان الحي أكثر بهجة وكنّا نحن في طمأنينة تليق بحالتنا التي لا تتحمل المشاكل، الكلاب حرّاسٌ لا يتقاضون أجراً، نباحهم إرثٌ نجده في الأثر المتبقي من جرِّ أكياس القمامة التي لو بقيت في الشوارع لانتشرت الحشرات مبتسمة وهي تنظر إليك مستغربة من عدم ارتياحك.

تلك المدافع سترن بهديرها المتأنِ لتزيّن سماء المدينة بالفكاهة المتقلبة، تلملم بقايا الأحلام الحبيسة في الأسرّة، لترمي بظلال قاسية على قارعة طرق منسيّة، هنا، في هذا الزمان، ستكون للمدينة أدوار جديدة، وسيكون لأزيز الأسلحة تراجيديا مفتعلة، وسيبقى الناس متشدقين بالنوافذ، علّهم يصيبون يقيناً هشّاً، أنه، ثمّة حياة في الجانب الآخر من الفوهة، في انتظار من يقطفها.