الجدران حين تكون لوحة تشكيلية

شيرو هندي: أن نعتبر جزءاً أو أجزاءً معينة من جدران قديمة – لوحة تشكيلية، هي فكرة جريئة  تحمل قدرة عالية من الطرح الثقافي التشكيلي، تستند إلى اعتبارات، كتقريب ذهنية التلقي من الدلالات المكثفة للوحة. بالإضافة إلى تبسيط عملية الاتصال البصري، من خلال تفكيك أسلوبية  العمل في حالة اقتران اللوحة مع تكوينات مادية واقعية صنيعة النشاط الفيزيائي/ العبثي أحياناً، فالعمل على هذا المستوى يتيح لتوجه تشكيلي نقدي، هو نتاج مختبر تجريبي مجتهد في إطار المزاوجة الحريصة بين التقنية والموضوع الفكري للعمل asfghdfالفني.

في حالات عديدة نشاهد تعاملاً مميزاً مع الكتل الهندسية، وذلك من خلال زاوية نظر مسقطية تتيح شعوراً بالاكتشاف، ويخرج المكان التشكيلي من اعتيادية منظور الواجهة وتفاصيل البعد المعقدة لكتل المكان. فالصورة الفضائية تشرح التكوينات المساحية، وتفصح عن علاقات الكتل ببعضها بشكل أوسع.

في مجموعة من الأعمال نجد استغراقاً في استعمال تركيبات لونية متقاربة، تبتعد فيها العين عن فكرة إيجاد انسجام تقليدي مريح بين الألوان. فلا نجد تبايناً لونياً يُمايز بين شخصية لون وآخر إلا بشكل بسيط، مما يحفز العين على إيجاد مفردات تشكيلية أكثر عمقاً، تتيح فرصة كبيرة لارتقاء التلقي البصري والخوض في معطى تشكيلي صرف.

نادراً ما نضبط دلالات الحركة داخل اللوحة، فالحركة على الأغلب تكون زمانية رتيبة مؤثرة في وجود اللوحة التي هي عند مجدل بيك أصلاً، أثر حركة الزمن – أثر إنساني (مقصود ، اعتباطي)، وأثر طبيعي متراكم وجدير بالتوثيق الفني ذي الصفة الانتقائية، وبأحقية حس بصري جدير. فإذا ما قصدنا الجدار كموضوع أو (مختبر لرصد الزمن)، فإنه يتحول إلى متلقٍ لضربات الحدث عبر الوقت، فالجدار الواقعي يتعرض للمطر والانهيار وتغيرات اللون والبنية والآثار البشرية كالكتابة والدهان. بينما اللوحة تخطف البصر نحو لزوجة اللون، ودهشة المطابقة الدقيقة، والجذب المحيّر للتواجد المكثف للأشكال.

يستخدم مجدل بيك، العديد من الإشارات والرموز في حالة أيقونية وبشكل دلالي متنوع. فالعديد من هذه الإشارات والتي تأخذ معنى دلالي عام وشائع بشكلها الظاهر، تكون هنا متناولة بشكل ذاتي وخاص، مرتبطة بشكل مباشر مع ذهنيته البصرية الذاتية. مثلاً الإشارة () والتي يستخدمها بشكل مكثف ومتنوع تأخذ مدلولات عديدة؛ مثل الصليب والزائد أو حتى الوردة ذات الأربع بتلات، وعندما تدار قليلاً تتحول إلى إشارة الضرب ..!. وكلها رموز وعلامات لها مدلولها العام باختلافات بسيطة حسب التنوع الثقافي والاجتماعي وأطر المكان والزمان، ولكنه استمدها – حسب قوله – عبر استذكار إحدى لعب طفولته، والتي يتم فيها رسم هذا النوع من الإشارة داخل مربع على الجدارن.

في العديد من الأعمال الأخيرة نشاهد داخل اللوحة شكلاً هندسياً مستطيلاً، أشبه  بتابوت مفتوح أو نوافذ كتيمة، تحوي أشكالاً تجريدية متنوعة، تتشابه هذه الأشكال مع العديد من المشاهد التصويرية الأثرية، كأيقونات تجسد الآلهة القديمة، وطبعات أختام الملوك والتي تحوي رسوماً تجريديةً لهم وللحيوانات الأسطورية، ومشاهد أخرى تظهر رموز بسيطة كالدوائر والسهام والخطوط المتقاطعة. وهذه المقاربة ليست من باب تأطير القيمة التشكيلية المتخيلة لهذه الأشكال في لوحة مجدل بيك، إنما بالعكس من ذلك، أرى إن محاولة تلاعب مجدل بيك  بالبعد الدلالي والرمزي لهذه الأشكال، يمنحها مستوى مختلف من الاتصال البصري، واحتفاءً ثقافياً بالفن القديم.

في الأعمال الأخيرة لمجدل بيك، نلاحظ أنه يتخلص من التهذيب المعتاد في لوحاته السابقة، متخلياً بحرصٍ شديد عن نماذج كتله اللونية والتي تشخص الأمكنة، والتمازج بينها وبين الأشكال الإنسانية وخاصة النسائية منها، فهو يدخل الآن في الاعتبارات النفسية التي تبثها مواده المتنوعة من خلال العمل المكثف والدقيق على سطح اللوحة، وبجرأة أكثر يعرض شخوصه الأكثر وضوحاً، وبانطباعات خاصة متمايزة عن تلك المبهمة، والتي كانت تشغل لوحته، حيث كان يحرص ألا يبدي رؤية تشخيصية تجاه كائناته السابقة. رغم أن محاولات التجريب الكثيرة عند عبد الكريم مجدل بيك تؤثر – ولو جزئياً – في خصوصيته، إلا أنها تعتبر في حد ذاتها نوعاً من التمايز عن أبناء جيله الشباب، وملكة قلق المبدع لخلق ما هو جديد، فتجربته تتميز بمستوى حسي عالٍ في التعامل مع الألوان ودقة في التجريد وصناعة الجذب البصري المنسجم، والاستخدام الوفير للمواد التقنية، يشكل هارموني مع موضوعاته التشكيلية، وطرحاً حرفياً شديد التأثر بالتجربة الأكاديمية السورية بشكل عام.

عبد الكريم  مجدل بيك  مواليد  سورية – الحسكة  1973، خريج كلية الفنون الجميلة – قسم التصوير الزيتي   1998 – 1999، امتياز شرف دبلوم دراسات عليا في التصوير الزيتي (العملي) كلية الفنون الجميلة دمشق   2001، أقام العديد من المعارض الفردية والمشتركة في سوريا والعراق والأردن  وإيران والعديد من المراكز الثقافية الأجنبية في دمشق،