الأحد , 27 مايو 2018
أنا هو آخر

أنا هو آخر

عمران عز الدين: رنَّ المنبه رنيناً صاخباً متتابعاً، ففتحتُ عيني اليسرى نصف فتحة، وبكسلٍ جَمٍّ ضَممته بين يدي، ثمّ ضغطتُ بكلّ قوّة على مصدر الإزعاج فيه، فَأخرسته تماماً. كانت الغرفة ما تزال مُعتمة، فلم أستطع مغادرة السرير، إذّاك كنتُ مُنهكاً، وبدا جسدي مُكسّراً كآلة للتوّ تحطّمت، وتناثرت بقاياها في شارع الموت !

وكمن يحبو، خطوتُ خطوتي الأولى، ثمّ الثانية والثالثة وهكذا دواليك، سرت الدماء قليلاً في جسدي، ففتحتُ النافذة، وتمتمت مُستغرباً للمرة الثانية: أووووه.. هل يعقل هذا، ما زال الجو مُعتماً ؟! وعلى مضض أشعلتُ الإنارة، توجّهتُ. والحيرة تغتالني – صوب المطبخ –، أعددتُ فنجاناً من القهوة على نار هادئة، وسكبتُ الماء على وجهي، ثمّ حملتُ فنجان القهوة وجلست بالقرب من النافذة. لا أدري كم دخّنتُ من السجائر وأنا أسرح بخيالي بعيداً، النشيد الوطنيّ في المذياع نبّهني إلى مكوثي الطويل بالقرب من النافذة التي أحكمتُ إغلاقها، لما شعرتُ بالبرودة تكتسح بدني. ثمّ ارتديتُ ثيابي، ووقفتُ أمام المرآة أعبث بشعري. وعلى نحو مفاجئ، قفزت إلى ذهني فكرة أن أغيّر تسريحة شعري الكلاسيكيّة، لم تكن هذه الفكرة وليدة تلك اللحظة، طالما تمنيتُ تسريحة مُغايرة. كان قد تناهى إلى سمعي، ذات مُشاهدة للتلفاز، بأنَّ تغيير الشكل يمنحنا نشاطاً ما. أحضرتُ المقصّ من الخزانة، وشرعتُ بقصّ بعض الخصلات هنا وهناك، بدا شعري بعد التعديل كشعر “آل باتشينو” في فيلم العرّاب. ابتسمتُ قليلاً، وتيقّنتُ نوعاً ما من النشاط الذي يجود به علينا تغيير الشكل. ولجتُ الحمّام، واغتسلتُ، ثمّ عدتُ لأمثلَ أمام المرآة مرة أخرى، كي أتأمّلَ تسريحتي الجديدة بعد الاغتسال. رأيتُ في المرآة شخصاً يشبهني، له تسريحة شعرٍ تشبه تسريحة شعري القديمة، وبعد نبشٍ يسيرٍ أبصرتُ المقصّ بالقرب من المرآة، فتأكّدتُ بما يشبه اليقين الجازم بأنّ ما أراه أمامي لا يعدو أن يكون سوى حلم سمج:

ـ لستُ حلماً سمجاً كما يخال لك !

ـ مَنْ أنتَ إذن ؟

ـ أنا هو أنتَ، وأنتَ هو أنا !

ـ أنا لستُ أنتَ، أنا أحبُ الحياة، لا أنكر أننا نتشابه، لكن شعري يختلف عن شعركَ… وأكثر أناقة.

ـ أنتَ أكثر جنوناً، أما أنا فأكثر عقلاً.

ـ لا تقل عني ما لستَ تعرفه. أنا لستُ مجنوناً.

ـ أنتَ عاقل إذن ؟

ـ ومتحكم بأفعالي التي تخضع للعقل ومعاييره.

ـ أنتَ تعترف بأنكَ عاقل، لِمَ تتحدّث معي إذن ؟

ـ لم أتحدّث إليك.. أنتَ من بادر للحديث معي.

ـ لأنّكَ اتّهمتني على اعتباري حلماً سمجاً لا أكثر ولا أقلّ ؟

ـ وهل تنكر ذلك ؟

ـ إذن أنتَ مجنون، لأنّكَ ـ كما قلتُ لك ـ تتحدّث إلى نفسك في المرآة ؟

ـ لكنّكَ لستَ أنا

ـ بل أنا هو أنتَ، وإن اختلفت تسريحة شعركَ عن شعري

ـ انصرفْ عن وجهي، لقد بدأتُ أفقد توازني، لا تجعلني أسحلكَ، وأمزقك إرباً إرباً !

ـ مجنون.

ـ انصرف.. قلتُ لك انصرررررررف.

ـ مجنوووووووووون.

ـ انصرررررررف.

ـ مجنوووووووووون !

صوّبتُ لكمة قوية إلى المرآة، ودون مقاومة تذكر منه، سحبته من شعره، فقيّدته بإحكام، وأحضرت سكيناً من المطبخ، ثمَّ قطّعته قطعاً صغيرة، ووضعته في كيس بعد أن فرمته. ارتديتُ معطفي الصوفي، وتأبّطتُ مصنّفاً لأوراق يجب عليّ الانتهاء منها بشكل سريع كي أهاجرَ بشكل شرعيّ من البلاد هذه المرّة. جَرّرتُ الكيس بيد، وفي اليد الأخرى حملتُ مظلة اتّقاء مطرٍ غزيرٍ مفاجئ.

توقفتُ عند عمودٍ بإنارة خافتة، وأنا أجيل النظر هنا وهناك. لمحتُ كلباً أجربَ يرفع إحدى قائمتيه ويتبول، انتفض وهزّ ذيله، ثمّ نبح نباحاً حزيناً خافتاً، وسار إلى أن غيّبته الظلمة عن ناظري. كان الشارع مُقفراً، وموغلاً في العتمة، لا جلبة ولا أصوات، وَضعتُ الكيس بحرص شديد في حاوية للقمامة، ثمّ انتظرتُ سيّارة أجرة كي تقلّني إلى دائرة الهجرة والجوازات، ولما طال انتظاري، عدتُ إلى البيت وأنا في حيرة من أمري.

و… ولجتُ البيتَ، تَحرّرتُ من معطفي وثيابي، ألقيتُ نظرة خاطفة إلى المرآة، فقفزتُ من مكاني، شعرتُ بالدوار، وأحسستُ بالأرض تميد تحتي، وصرخت:

ـ للتوّ قطّعتك، وفرمتك قطعاً صغيرة رميتها في الحاوية لتلتهمها الحشرات، الكلاب، والذئاب الضالّة ؟!

ـ لستُ حلماً سمجاً كما خيّل لكَ، أنا هو أنتَ ، وأنتَ هو أنا، هل تنكر ذلك الآن ؟

و… واهن العزم صرختُ، ثمّ انزلقتُ بحذر في الفراش، وسرعان ما غصتُ في نومٍ متقطع مجنون.

فجأة.. رنَّ المنبه رنيناً صاخباً متتابعاً، ففتحتُ عيني اليسرى نصف فتحة، وبكسلٍ جَمٍّ ضَممته بين يدي، ثمّ ضغطتُ بكلّ قوّة على مصدر الإزعاج فيه، فأخرسته تماماً. كانت خيوط الشمس قد شرعت للتو باختراق النافذة، لكنّني لم أستطع مغادرة السرير، إذّاك كنتُ مُنهكاً، وبدا جسدي مُكسّراً كآلة للتوّ تحطّمت، وتناثرت بقاياها في شارع الموت!.

صيحة لـ رامبو