الحدود السورية التركية حرب أخرى … وضحايا بالعشرات

كمال أوسكان

“لا يكاد يمر يوم إلا ويسقط ضحايا على هذه الحدود”. يشير بيده نحو الشريط الحدودي الفاصل بين مدينتي الدرباسية السورية والتركية، هكذا يصف جمال (الاسم المستعار) وضع الحدود السورية التركية، التي تحولت إلى ساحة حرب من نوع آخر، يسقط عليها ضحايا من المتسللين  يومياً على يد الجندرمة (حرس الحدود) التركي.

منذ اندلاع الأحداث في سوريا وقطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين (سوريا وتركيا)، على خلفية دعم تركيا للمعارضة السورية بحسب الحكومة السورية، أغلقت المعابر الحدودية بين الدولتين في منطقة الجزيرة. ومع انسحاب النظام السوري من بعض مدن المنطقة وسيطرة القوات الكردية عليها، لم يتغير الوضع وبقيت المعابر مغلقة، وتحولت الحدود إلى معابر غير نظامية يتسلل عبرها الناس إلى تركيا بطرق غير شرعية.

يبلغ طول الحدود السورية التركية حوالي 822 كم، وتوجد ثمانية معابر على طول الحدود ابتداءً من معبر كسب في اللاذقية (تحت سيطرة فصائل المعارضة)، ومعبر باب الهوى في محافظة إدلب الذي تسيطر عليه كتائب منضوية في “الجبهة الإسلامية”، ومعبر باب السلامة في منطقة إعزاز في محافظة حلب (شمال)، والذي تسيطر عليه “الجبهة الشامية”، ومعبر جرابلس في محافظة حلب أيضاً، وتسيطر عليه جماعة “تنظيم الدولة الإسلامية”، إلى جانب معبر كوباني (عين العرب) في حلب، ويسيطر عليه الكرد، ثم معبر مدينة تل أبيض بمحافظة الرقة والخاضع لسيطرة “تنظيم الدولة الإسلامية”، ومعبر سري كانيه (رأس العين) في محافظة الحسكة الذي تسيطر عليه القوات الكردية، ومعبر قامشلو، وهو المعبر الوحيد في محافظة الحسكة الذي لا يزال تحت سيطرة القوات النظامية. وتكاد تكون أغلب تلك المعابر مفتوحة أمام حركة المواطنين السوريين باتجاه تركيا، باستثناء المعابر التي تقع في المناطق الكردية، سواء التي تخضع لسيطرة الحكومة النظامية أو التي يسيطر عليها الكرد وهي ثلاثة معابر (كوباني – سري كانية – قامشلو).

يرى البعض أن إغلاق المعابر الثلاثة المتاخمة للمناطق الكردية من قبل السلطات التركية جاءت على خلفية السياسات التركية الرافضة للتعامل مع أي طرف كردي في سوريا، وتفضيل التعامل مع المعارضة السورية الموجودة في تركيا ضمن إطار الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية والحكومة السورية المؤقتة التابعة للأخير.

وبغض النظر عن أسباب إغلاق المعابر من قبل السلطات التركية، فقد ترك ذلك الإجراء نتائج مدمرة على المجتمع والاقتصاد في تلك المنطقة المحاصرة من كافة الجهات، على إثر الحرب الدائرة بين القوات الكردية و “تنظيم الدولة الإسلامية”، والتي دفعت بأهالي منطقة الجزيرة إلى اجتياز الحدود بطرق غير شرعية في ظل إغلاق المعابر النظامية، بحثاً عن العمل أو السفر وما قد يواجهونه من أهوال ومخاطر تصل في بعض الأحيان إلى الموت أو الإعاقات الدائمة.

تعددت أساليب الموت والحدود واحدة

الهاربون عبر الحدود نادراً ما يصلون إلى الطرف الآخر بسلام، بسبب الاجراءت الأمنية المشددة التي تشهدها الحدود في تلك المنطقة في هذه الآونة. فمن لم تصطاده قناصات حرس الحدود المنتشرين بكثافة أو استطاع عبور حقل الألغام على طول الشريط الحدودي، سوف تطاله دوريات متحركة بسيارات الجندرمة (بانزيرت) المجهزة بالكواشف والكاميرات الحرارية، وينال نصيبه من الضرب المبرح الذي يصل حد تكسير الأطراف ومن ثم رميهم على الجانب الآخر (السوري) من الشريط.

تمكنا من خلال بحثنا عن المعلومات المتعلقة بهذا التحقيق من توثيق أسماء أحد عشر شخصاً سقطوا برصاص الجندرمة أو تعرضوا للتعذيب، ممن حاولوا التسلل عبر الحدود التركية المتاخمة للمناطق الكردية في سوريا خلال عام 2014 في ظل غياب الأرقام الحقيقية لعدد الضحايا، وذلك لعدم وجود منظمات حقوقية توثق هذا النوع من الجرائم. غير أن النشطاء يقدرون أعداد الضحايا بحدود 50 شخصاً منذ اندلاع الأزمة السورية.

مجلة شار فتحت هذا الملف مع المسؤولين والمعنيين والمتضررين فكانت أولى وجهاتها هي “الإدارة الذاتية”، التي تدير المنطقة بشكل فعلي، وهي الجهة المسؤولة عن توفير معابر وممرات آمنة للمواطنين في سفرهم، وإن كانت هذه “الإدارة” لا تتحمل مسؤولية إغلاق المعابر.

التقت “شار” مع رئيس “الإدارة الذاتية”، أكرم حسو في مدينة عامودا للحديث عن موضوع المعابر المغلقة. فألقى حسو بمسؤولية إغلاق الحدود على الجانب التركي. معتبراً أن اغلاق المعابر جزء من الحصار المفروض على روج آفا (المناطق الكردية في سوريا)، موضحاً “إنها تأتي دعماً ومساندة للمجموعات التكفيرية، لكسر إرادة الشعب من خلال إغلاق جميع المنافذ الحدودية”. وعن إمكانية التفاهم مع الأتراك لفتح معبر نظامي، يقول حسو: ” نتواصل مع الأتراك من خلال إخوتنا الكرد في تركيا من الأحزاب والتنظيمات، لمساعدتنا في المطالبة بفتح المعابر. كما إننا تواصلنا مع الائتلاف السوري والمنظمات الدولية، غير أن هذه الاتصالات لم تجدي نفعاً حتى الآن، لأن هناك مصالح لدول بعدم فتح المعابر”.

الحكومة السورية المؤقته المقربة من تركيا والتي تتمنى السلطات التركية سيطرتها على كافة المعابر، لا علم لديها عن وجود مشكلة عن إغلاق المعابر في المناطق الكردية، يذهب ضحيتها العشرات من السوريين الكرد، هذا ما أفصح عنه وزير في هذه الحكومة.

“شار”، توجهت إلى الحكومة السورية المؤقتة وفي جعبتها جملة من التساؤلات حول المعابر، والتقت مع مستشار وزير العدل محمد أنور المجني الذي قال: “الحكومة السورية المؤقتة لم تتبلغ رسمياً عن حالات اعتداء أو قتل لمواطنين سوريين على الحدود، برصاص الجندرمة التركية”.

وعن إغلاق المعابر يقول المجني: “نحن نحترم السيادة التركية ومن حقها أن تتحقق من هوية أي شخص يدخل أراضيها، وهي تتمنى من الحكومة السورية المؤقتة السيطرة على المعابر، لكن المشكلة تكمن في أن الحكومة المؤقتة تجد صعوبة في وضع يدها على المعابر”.

المهربون ملوك الحدود وأصحاب القول الفصل في عبورها

بعد ما آلت إليه الأوضاع على المعابر الحدودية النظامية، تقطعت  كل السبل أمام المواطنين، ولم يبق امامهم سوى المجازفة واجتياز الأسلاك الشائكة وحقول الألغام للوصول إلى الفردوس التركي!، على الرغم من امتلاك أغلب هؤلاء جوازات سفر نظامية، غير أنهم لا يستطعون الوصول إلى المعابر المفتوحة أمام حركة المدنيين السوريين، كمعبر تل أبيض أو باب السلامة، بسبب سيطرة “تنظيم الدولة الإسلامية” على المناطق المحيطة بالمدن الكردية. ما دفع الناس للبحث عن  المهربين من أجل الدخول إلى تركيا بطرق غير شرعية، وقد ترتب على ذلك سقوط العديد منهم برصاص الجندرمة التركية.

المهربون الذين يتقاسمون القطاعات على الحدود، ولكلٍّ منهم معبره – لا يسمح لغيره بالمرور منه – وتسعيرته الخاصة  لنقل المواطنين  (الركاب) كما يطلق عليهم في عرف التهريب. تتراوح تسعيرة الدخول إلى تركيا بين 20 ألف ليرة سوريّة، أي ما يعادل مئة دولار أمريكي  لكل راكب في حالة الطرق غير المؤمنة التي لا يتحمل فيها المهرب مسؤولية الراكب، إذ يقتصر دوره على إرشاده على الطريق التي يجب أن يسلكها بين الألغام ومن ثم يتركه لمصيره، كما حدث مع  كيم سيف الدين إبراهيم من أهالي قرية كربيجنك الواقعة على طريق الحسكة – قامشلو. حين انفجر فيه لغم أرضي أثناء محاولته عبور الحدود، ما أدى لإصابته بجروح بلغية في مشط القدم وساقه اليسرى، أسعف على إثرها إلى أحد المشافي لإجراء عمل جراحي عاجل (بتر ساق)، وفق ما أفاد أحد الركاب المرافقين لكيم.

بينما تصل تكلفة الطرق المؤمنة التي يتم شرائها من الجندرمة بحسب وصف المهربين إلى 70 ألف ليرة سوريّة، أي ما يعادل ثلاثمائة دولار أمريكي، وفي هذه الحالة يرافق المهرب الركاب حتى اجتيازهم الأسلاك الشائكة وحقل الألغام، أي يمضي معهم لحين تجاوز منطقة الخطر.

يتهم الركاب المهربين باستغلال الظروف، نظراً لغلاء تسعيرة عبور الحدود، إلا أن المهربين يبررون ذلك بأنهم  لا يأخذون كل هذه الأموال لأنفسهم، بل يتم توزيعها؛ إذ تذهب نسبة من المبلغ الذي يدفعه الراكب إلى مديرية الجمارك التابعة لـ “الإدارة الذاتية”، وقسم آخر يذهب إلى الجندرمة التركية بحسب اتفاق شراء المعبر أو الطريق.

بشار أحد المهربين من مدينة عامودا ممن اتفق مع الجندرمة التركية، ولديه معبر قرب مدينة الدرباسية يقول: “كيف لنا أن ناخذ الناس إلى موتهم، ونحن نعلم ماذا يحدث لمن يقع بين أيدي الجندرمة، لا يمكننا أن نغامر بحياة الذين يذهبون معنا من دون أن نكون واثقين من أن الطريق مؤمن بشكل كامل“.

أن تجد مهرباً وطريقاً آمناً، وأن تدفع المبلغ المطلوب، لا يعني أنك ستصل بسلام، إذ يقع  الكثير من الركاب في قبضة الجندرمة، لتتم إعادتهم من حيث جاؤوا بعد التعرض للضرب والإهانة. عن ذلك يقول (جمال . ح) أحد المهربين على الحدود السورية التركية من منطقة الجزيرة، “يحدث أن تعتقل دورية الجندرمة الركاب، لأن الضابط المسؤول لم يعطي المال الذي قبضه منا لبقية عناصر الدورية، وهذا ما يجعل الناس يظنون أننا نخدعهم من أجل الحصول على المزيد من المال”.

هناك من يرى أن “الإدارة الذاتية” تتحمل جزءً من المسؤولية لما يتعرض له المواطنون بسبب خداع المهربين، لأنها فتحت المجال أمامهم من أجل التلاعب بمصير هؤلاء الضحايا وقيادتهم إلى حتفهم، مكتفية بالحصول على نسبة جمركية، من المهربين دون التدخل في عملهم أو محاسبتهم.

معبر الدرباسية باتجاه واحد

بعد إغلاق معبري قامشلو الذي تسيطر عليه السلطات السورية وسري كانيه الخاضع لسيطرة “الإدارة الذاتية” بعد طرد الكتائب الإسلامية من المدينة، فتح معبر الدرباسية بشكل غير نظامي من قبل السلطات التركية، للسماح للمواطنين الأتراك والسوريين المتواجدين في تركيا بالعودة من خلاله إلى سوريا فقط، دون أن تسمح للسوريين الدخول إلى تركيا من خلاله. ورغم كل المطالبات بفتح هذا المعبر أمام أبناء المنطقة، إلا أن تلك الدعوات لم  تلق آذان صاغية من قبل الحكومة التركية، واقتصر العبور على من يستطيع تأمين كفلاء من المواطنين الأتراك وفي فترات متقطعة، إذ يفتح المعبر لأيام معدودة ومن ثم يغلق وهكذا.

استغل بعض السماسرة الأتراك بالاتفاق مع آخرين من الطرف الكردي، هذه الإجراءات وحولوها إلى تجارة يتقاضون منها خمسين ألف ليرة سورية على كل شخص يؤمن كفيلاً له على الجانب التركي لإدخاله عن طريق المعبر.

ينطبق الأمر ذاته على الجانب الآخر من المعبر والذي تديره “الإدارة الذاتية” من ناحية صعوبة الاجراءات التي يحتاج المسافر إلى القيام بها بعد إيجاد الكفيل التركي، إذ يحتاج إلى وضع اسمه على المعبر ومن ثم مراجعة قوات الآسايش والحصول على موافقة السفر ومن مراجعة الجمارك ودفع مبلغ ألف ليرة سورية كجمركة سفر ومن ثم الانتظار حتى يسمح له بالعبور.

لم تتوقف مأساة سكان المناطق الكردية الباحثين عن ممرات ومعابر آمنة منذ اندلاع الأزمة السورية، كما لم تتوقف الاجراءات الأمنية التركية على الحدود المتاخمة لتلك المناطق، سواء من حيث تشديد الحراسة والاعتداء على كل من يتجاوز الحدود، بل تعدى ذلك إلى الشروع في بناء أول جدار عازل على الحدود بينها وبين سوريا في منطقة نصيبين التابعة لولاية ماردين والتي تبعد 10 كيلومترات عن قامشلو السورية، لكن الاحتجاجات المناهضة لبناء هذا الجدار على طرفي الحدود من قبل الكرد في تركيا أوقفت المشروع.