اللاشمانيا … غياب الخدمات الصحية والوقاية في منطقة الجزيرة

كاوا ولي: تعرف بـ “حبة حلب”، اكتشفت أول مرة في مدينة حلب قبل نحو مئة عام، وتسمى أيضاً “حبة السنة”، لأنها تستمر نحو عامٍ كامل في الظهور على الشخص المصاب. اللاشمانيا، مرض جلدي تسببه لدغة ذبابة الرمل، انتشر المرض في بعض مناطق ريف حلب وإدلب اللاذقية على فترات متقطعة خلال العقود الماضية.

ظهور الإصابات خلال الأزمة

سجل المرض ظهوره الأول في منطقة الجزيرة شمال شرقي سوريا خلال فترة الحرب الدائرة في البلاد منذ العام 2011، في عامي (2013 – 2014)، وإن على نطاق ضيق. إلا أن المؤشرات images35353353وشهادات الوسط الطبي تنذر باتساع النطاق الجغرافي للمرض في المنطقة، مع تزايد عوامل ظهوره وتراجع مستوى الخدمات في القطاعين الصحي والطبي.

تقف عدّة عوامل وراء ظهور اللاشمانيا، أهمها؛ تراكم القمامة في مساحات واسعة ومكشوفة، وعدم رش المبيدات الحشرية، إلى جانب وجود أبنية وخرائب مهدمة في العديد من المناطق التي شهدت معاركاً وخاصة في ريف سري كانيه (رأس العين) وريفي قامشلو والحسكة، إلى جانب ريفي عامودا وتل حميس، يضاف إلى ذلك، انكشاف شبكات الصرف الصحي في عدد من المناطق. وتشكل هذه العوامل بيئة خصبة لتكاثر وازدياد أعداد ذبابة الرمل، والتي تنتشر بشكل أكثر كثافة في فصل الصيف. ويشخص المرض سريراً، ومن النادر أن يحتاج إلى تشخيص مخبري.

انتشار اللاشمانيا في الجزيرة

حسب الإحصائيات المتاحة على قلتها، يوجد مركز صحي وحيد لتقديم الخدمات العلاجية ضد اللاشمانيا في مدينة قامشلو، وذلك ضمن مبنى المركز الصحي الشرقي. ووفقاً للأرقام التي يذكرها المركز فإن أعداد المصابين الذين يتلقون العلاج في المركز بشكل شهري تتراوح بين (325 إلى 350)، في حين بلغ إجمالي عدد المصابين عام 2014 نحو (4000 – 4300) مصاب.

أما في مدينة سري كانيه، فبلغت أعداد الإصابات نحو (2593) مصاباً. وانتشرت معظم الإصابات في مناطق العريشة، أم عصام، المناجير، تل حلف، دويرة، العزيزية، تل ذياب، شلاح، تل أرقم، المالحة، مختلة، الصالحية، أم العصافير، خربة البنات، المسحي وسفح. وتوزعت أماكن الإصابة لدى الأشخاص على الوجه ورؤوس الأطراف. وبحسب أخصائيين في المنطقة، فإن انتشار المرض يعود إلى عدم رش المبيدات الحشرية وكثرة المستنقعات والوديان وحقول الزراعة المروية، في ظل ندرة الخدمات العلاجية المقدمة هناك، إذ لا يوجد في المدينة سوى مستوصف واحد متخصص في الوقاية من اللاشمانيا، والذي يعمل ضمن إمكانيات ضعيفة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الفريق الطبي في المستوصف نفذ عدّة حملات تلقيح في المنطقة حين توافرت اللقاحات الضرورية ضد اللاشمانيا.

في مدينة الحسكة، ينتشر المرض بكثافة في مناطق تل براك وصفيا وتل تمر، إضافة إلى أحياء الصالحية والعزيزية والمفتي وتل حجر والناصرة في المدينة ذاتها، وإن بنسب أقل من الريف. ونتيجة للظروف الأمنية المتردية في المدينة، لا تتوافر إحصائيات دقيقة عن أعداد المصابين أو أنماط الإصابة بالمرض.

وفي مدينة ديريك (المالكية)، بلغ عدد الإصابات باللاشمانيا في العام 2014، نحو 43 إصابة، بينها 11 حالة لأطفال دون سن الحادية عشر، ونحو 32 حالة لمن هم فوق سن الحادية عشر. وكانت الأرقام لنفس الفئة العمرية في العام 2013 على الشكل الآتي: 51 إصابة، بينها 25 حالة لمن هم دون الحادية عشر، و 26 حالة لمن هم فوق الحادية عشر.

تفتقر المنطقة إلى الأدوية الطبية اللازمة لمكافحة اللاشمانيا والوقاية منها، إضافة إلى اللقاحات ورش المبيدات الحشرية، وتصريف النفايات والإشراف على مكباتها بطرق سليمة وبانتظام للحد من انتشار (ذبابة الرمل) ناقلة المرض بشكل أساسي، إذ يرتكز علاج اللاشمانيا بشكل رئيسي على الوقاية منه، وذلك بإزالة سببه المباشر أي (ذبابة الرمل).

مدينة الحسكة واللاشمانيا

الدكتورة شيرين، أخصائية جلدية من مدينة الحسكة، ذكرت أنها وأثناء فترة عملها في مشفى الحسكة الوطني، كان المشفى يستقبل نحو 20 حالة مصابة باللاشمانيا يومياً. وبلغت الإصابات ذروتها عام 2010، لتنخفض قليلاً في العام 2011، بينما تراجعت الإصابات في العام 2012 إلى نحو نصف أعداد المصابين في عام 2010.

وبحسب الدكتورة شيرين فإن “المشفى قدم خدمات علاجية لنحو 140 حالة، عن طريق حقنهم بشكل أسبوعي، وكانت الإصابات تتزايد في فصل الصيف وخاصة في أشهر (آب وأيلول وتشرين الأول)، بينما تبدأ مرحلة العلاج خلال أشهر (تشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني)، في حين تخف الإصابات مع بداية الشهرين الثاني والثالث”. وبحسب شهادة الدكتورة شيرين ذاتها، فإنها “لم تستقبل في عيادتها الخاصة عام 2014، سوى سبع حالات، بعد تركها العمل في المشفى الوطني عام 2013”.

أكثر المناطق الموبوءة (سري كانيه)

من جهته، قال الطبيب عبدالعزيز معو، من مدينة سري كانيه، إن المرض انتشر مؤخراً في المنطقة وريفها بشكل ملحوظ خلال السنوات الثلاث الأخيرة. مشيراً إلى أنه مرض جلدي ينشأ نتيجة انتشار المستنقعات الملوثة والراكدة التي تجذب أنواع عديدة من الحشرات منها ذبابة الرمل حاملة وناقلة المرض، وإن تلك الإصابات جاءت إثر غياب عملية رش المبيدات الحشرية والتلوث العام في المنطقة.

كما أشار معو إلى تنظيمهم العديد من الفعاليات والأنشطة التعريفية بالمرض وكيفية وسبل الوقاية منه بين الأهالي، منوهاً، أنه ومع انتشار المرض تبدأ مرحلة العلاج المتمثل بإعطاء إبر خاصة، عن طريق مركزين رئيسيين في المدينة، أحدهما في مبنى المستوصف الطبي، إضافة إلى مركز خاص لمكافحة المرض. مشدداً على أن العلاج يكمن أساساً في الوقاية والتأكيد على النظافة واستخدام المبيدات الحشرية للقضاء على تجمعات الحشرات المسؤولة عن نقل المرض، رغم الصعوبات التي تواجههم في تنفيذ هكذا خطوات بسبب المعارك في مناطق الريف المحيط بالمدينة.

وأردف الطبيب، أن الإصابات تتركز في ريف المدينة وبشكل خاص بين الأطفال والنساء. كما أكد على توافر كميات كافية من الأدوية اللازمة لعلاج المرض، حصلوا عليها عن طريق منظمة الهلال الأحمر الكردي من مدينة الحسكة.

ومع استمرار الحرب والأزمة السورية ودخولها عامها الخامس على التوالي، وفي ظل تعثر القطاع الخدمي والطبي والصعوبات التي تكتنفهما، على الرغم من الجهود المبذولة من قبل بعض المنظمات والأطباء المحليين في مواجهة خطر الأوبئة والأمراض كاللاشمانيا. تستمر معاناة منطقة الجزيرة خدمياً وصحياً، أمام حالة من اللامبالاة والتجاهل من قبل النظام والمعارضة على حد سواء. في حين تسعى منظمات دولية للدخول إلى المنطقة رغم الصعوبات التي تعترضها على الحدود السورية التركية فيما يتعلق بإدخال الأدوات والمستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة المرض.