بين التعمية والعنصريّة

داريوس الدرويش

لدى دراسة الحدث السوري (الثورة السوريّة والحرب الأهليّة الموازية لها)، ومهما اختلفت الجوانب التي تتناولها هذه الدراسات، فإنّها تُجابه بمعضلتين أساسيّتين أثناء محاولة الفصل بين أدوار الفرديّ والجماعيّ في هذا الحدث. فمن جهة هناك من يعطي الدور الأكبر فيها لخيار الفرد المبنيّ على ثقافته ومعرفته ومصالحه، ومن جهة أخرى هناك من يعطي القسم الأكبر من هذا الدور لخيار المجتمع المحلّي المهيمن والمصادر على خيار الفرد، والمبنيّ بدوره على ثقافة المجتمع وقيمه والمصالح العامّة لهذا المجتمع.

بتحديد أكبر، المعضلة الأولى هي حول: هل يكفي استخدام دور الفرد في دراسة الحدث السوري (بشقّيه الثورة والحرب الأهليّة)؟ والثانية حول: على أيّ من العوامل نبني رؤيتنا عن دور المجتمع المحلّي في هذا الحدث؟.

فالاكتفاء بالأولى قد يوقعنا في التعمية، فإن كانت خيارات الفرد (التي تميل دوماً نحو الحريّة)، تفسّر أسباب اندلاع الثورة، فإنّها لا تفسّر أسباب اندلاع الحرب الأهليّة بين المجتمعات المحليّة في سوريا. التعمية تكمن في أنّ أصحاب هذا الخيار لا يعترفون بوجود حرب أهليّة أساساً، ولا حتّى بوجود نزاعات ما بين المجتمعات المحليّة، وذلك إمّا عبر إنكارها واعتبار كلّ الحرب الحاصلة في الثورة السوريّة هي مجرّد صراع ضدّ النظام ولأهداف الثورة، أو عبر نزع صفة المواطنة السوريّة عن الأطراف المتحاربة، فكلّ من يتحاربون في سوريا هم ليسوا سوريّين، وبالتالي فهي ليست حرباً أهليّة لأنّها ليست بين “أهالي” سوريا، بل هي حرب عالميّة على الأرض السوريّة.

المشكلة تكمن في أنّ أصحاب هذا الخيار ينظرون إلى سوريا على أنّها وطن مُنجز، وعلى أنّ الشعب السوري قد توصّل مسبقاً لعقده الاجتماعي الذي تمّ بموجبه تنظيم العلاقة فيما بين المكوّنات السوريّة من جهة، وبين الأفراد والسلطة من جهة أخرى. وأنّ المشكلة هي فقط في تجاوز السلطة لحدود صلاحياتها تجاه الأفراد. ولكن المهمّ هو أنّ “فسيفسائنا الوطنيّة” بخير. إلا أنّ الواقع مختلف، فاللكرد في سوريا مطالب تعود إلى فترة تأسيس الجمهوريّة، وللعلويّين مخاوف قديمة تمتدّ من العهد العثماني وحتّى السبعينيات من القرن الماضي، ويمتدّ هذا الأمر ليشمل الدروز والإسماعيليّين والمسيحيّين ولا يُستثنى من هذا حتّى العرب السنّة.

أمّا الاكتفاء بالثانية فقد يوقعنا في العنصريّة؛ من الصحيح أنّ دراسة الحرب الأهليّة أيضاً لا يمكن أن تكون بمنأى عن الثورة، فقد ولدت هذه الحرب مع انطلاق الثورة وبسببها، كما أنّها تبدو مبنيّة على خيارات المجتمعات المحليّة بشكل كبير. ولكن أيّ جزء من الثورة هو ذاك الذي لا يمكن فصله عن الحرب الأهليّة؟ هل لا يمكن الفصل بين خيارات المجتمعات المحليّة وبين “قيم” الثورة، أم بينها وبين “المصالح” التي تحقّقها الثورة؟ ففي حين أنّ ربط خيارات المجتمعات بالـ “قيم” يوقعنا بالعنصريّة، فإنّ ربطها بالمصالح (والمخاوف) يحمل نوعاً من الخلاص من هاتين المعضلتين.

فالقيم بطبيعتها هي صفات إنسانيّة لا ترتبط بمجتمع معيّن، فلا مجتمعاً أو شعباً يحتكرها ولا آخر مجرّد منها، بل تتماثل في جوهرها ضمن كلّ المجتمعات دون استثناء (وإن اختلفت أشكال التعبير عنها). هذا التماثل يُستدلّ عليه من جانب المدافعين عن هذه القيم والذين يعتبرونها صفات طبيعيّة للإنسان (وليست مكتسبة)، يتمتّع بها بمجرّد ولادته لذا فهي سابقة على أيّ شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي، مثلما ورد في مقدّمة حقوق الإنسان الفرنسيّة والميثاق العالمي لحقوق الإنسان. ويُستدلّ على هذا التماثل أيضاً من جانب قراءة مواقف الديكتاتوريّات المناهضة لهذه القيم، فلم يحصل أن هاجمت علناً إحدى الديكتاتوريّات قيمة الحريّة مثلاً بحدّ ذاتها، بل عادةً ما تدّعي أنّها تهاجم “التفسير الغربي” لهذه القيمة (كما سوّقت له الأنظمة الشيوعيّة الشموليّة)، أو تدّعي أنّها تحافظ على “خصوصيّة المجتمع” بحجّة أنّ مجتمعاتنا لها نوع خاص من الحريّة يناسبها فقط، حتّى تنظيم “داعش” نفسه لا يقوم بهذا، فهو يفسّر الحريّة على أنّها التزام بالإسلام “فمهما نطلب العزّة بغيره أذلّنا الله”.

من جهة أخرى، فمن المؤكّد أنّ المصالح التي تحقّقها الثورة، عبر انتصار قيمها، لازمة (من حيث المبدأ) لكلّ المجتمعات ولكنها ليست بالضرورة شاملة لها. بل قد تسبّب أحياناً أضراراً فادحة عليها؛ فانتصار الديمقراطيّة على الديكتاتوريّة الفرديّة قد يولّد ديكتاتوريّة الأغلبيّة، وانتصار الثورة الأمريكيّة حقّق الحريّة للبيض دون السود، بل كرّست العبوديّة والتمييز العنصري ضدّ السود لأكثر من قرنٍ آخر. كذلك من الممكن أن تؤدّي حريّة الاختيار المطلقة (من دون ضوابط يحدّدها مسبقاً العقد الاجتماعي) إلى قوانين شرعيّة تفرض الجزية مثلاً على المسيحيّين أو تُشرّع لعمليّات إبادة جماعيّة تجاه الأقليّات القوميّة من أجل “صهرها في بوتقة الأمّة العربيّة”. هذه الاحتمالات قائمة ولطالما كانت كذلك منذ تأسيس الدولة السوريّة وحتّى الآن، وإن كانت قد طبّقت بشكل أقلّ دمويّة في السابق، إلا أنّها تحمل نفس المعنى، فدستورٌ يُحدَّد فيه مثلاً دين رئيس الدولة وقوميّته ليس أقلّ استعباداً للأديان والقوميّات الأخرى من فرض الجزية أو الصهر القومي عليها. ولا يمكن في أيّ حال من الأحوال تجاوز هذه الاحتمالات وتحويلها إلى دروسٍ من الماضي ما لم يتمّ مسبقاً تحديد المستفيد من هذه المصالح والقيم. فمن الصعوبة بمكان إقناع أحدهم بخوض حربٍ لا تحقّق له الحريّة بل ربّما تنتهي باستعباده على يد الجهة التي حارب لأجلها، عداك عن إقناعه بعدم خوض الحرب المعاكسة بالدرجة الأولى.

لذا، فالقول أنّ مكوّناً سوريّاً (علويين، كرد، دروز، شركس… إلخ) وقفوا ضدّ الثورة (أو على الأقل بالحياد منها) لأنّها ثورة “الحريّة والكرامة” (وبالتالي لأنّ هذه المكوّنات لا تريد هذه “الحريّة والكرامة”)، هو قول يحتوي مغالطات كبيرة. فمن جهة يبدو قولاً عنصريّاً من حيث تجريد مجتمعات كاملة من صفات إنسانيّة أساسيّة والتلميح بتقبّلهم للعبوديّة ورغبتهم بها، ومن جهة أخرى يبدو الأمر التفافاً على تحمّل المسؤوليّة تجاه مخاطبة مخاوف ومصالح المكوّنات المعنيّة، بل من الممكن جدّاً الشكّ في أنّ هذه المقولات هي تمهيد لتجيير هذه القيم لصالح ديكتاتوريّة جديدة، ولكن هذه المرّة باسم الأغلبيّة.

والواقع أيضاً أنّ هذا بالضبط ما لم تحاول المعارضة السوريّة معالجته، بل على العكس تماماً، استمرّت رسميّاً في تجاهل الطلبات المتكرّرة بخصوص تقديم تطمينات ملائمة للأقليّات تحيّد مخاوفهم. واستمرّت عمليّاً العديد من القوى المعارضة على الأرض بارتكاب انتهاكات ضدّ الأقليّات بناءً على انتماءاتهم. وفي الوقت نفسه بات العديد من المثقّفين السوريّين يوجّهون التهديدات للأقليّات بسبب “عدم وقوفهم مع الثورة” أو مشاركة أفراد منهم في عمليّات القمع التي يمارسها النظام، ليبرّر لهم مثل هذا القول مثقّفون آخرون بحجّة “عدم الوقوع في التعمية”.