الأحد , 27 مايو 2018
نبذ خطاب الكراهية واجب إعلامي ومدني

نبذ خطاب الكراهية واجب إعلامي ومدني

في وقت يقتصر فيه عمل دعاة السلم وترسيخ القيم الديمقراطية على ورشات تدريبية وحلقات للحوار، وربما بعض الحملات والمقالات في الصحف المحلية، بهدف “نشر الوعي وثقافة التعايش والسلم الأهلي بين المكونات وشرائح المجتمع المتعددة”، باتت وسائل الإعلام التي تبث خطاب الكراهية تستمد القوة والمال من رعاة الحرب و أمرائها، وتكتسب القوة والمتابعة والتأثير أكثر من الإعلام المجتمعي الداعي للسلام وإشاعة الحريات.

وسائل التواصل الاجتماعي بدورها تعج بالسجالات والسباب ولغة الكراهية والتباغض والتحريض الغريزي، في مؤشر خطير على ضآلة الجهد المقدم في خدمة نزع عوامل التوتر واقتصاره على مظاهر بروتوكولية في العموم، لا تخدم تأصيل العمل المدني وقيمه على الوجه الصحيح. وتنحو باتجاه الاستعراض والتنافس اللامجدي وحرق المراحل وخوض مجالات واختيار وسائل محدودة التأثير، دونما اكتراث بما يعمل عليه رعاة الحرب والحقد والكراهية، وما يحصّلونه من عوامل قوة وتأثير !!

الحرب الكلامية وطغيان خطاب الكراهية والتخندق ظاهر للعيان، مقرونة بتوصيفات الإخفاق والخيبات الصادرة عن (المتنورين) و (المثقفين) و (أصحاب الدراية)، ضمن منظومة الإعلام القائمة، وحتى ضمن ما سمي بالإعلام البديل. وكذلك شبكات التواصل الاجتماعي. فالفيسبوك والتويتر أصبحا في بيئتنا واجهة حرب ظاهرة ضحلة، إذ تتخطى هذه الوسائل حدود التواصل الاجتماعي لتصبح ميادين لعرض الطروحات السياسية المستفزة والمشاحنات، ونادراً ما ترى فيه صوتاً معتدلاً داعياً للتحاور. فضمن جو الاضطراب والحرب القائمة يغدو خفوت الصوت المدني دليلاً على هشاشة الطرح، وعدم القدرة على تشكيل فرق في ميزان المعادلات القائمة.

بينما يلجأ الظلاميون والتكفيريون إلى الزج بكل ما هو بشع ووحشي ومدان، على الشاشات والفضائيات والجرائد، محدثين زوابع من الكراهية والحقد، يقع على عاتق الصحفيين الملتزمين بالحرية والعدالة، تأصيل القيم الإنسانية ودعمها والدفاع عنها، ونبذ كل ما هو محرض ومستفز دون التخلي عن جوهر العملية الصحفية القائمة على نشر الحقائق، وإحاطة الجمهور بمجريات الحدث، وهنا تكمن براعة الصحفي ورسالته الحقيقية والمؤثرة.

داعش وكل القائمين على بث الحقد وثقافة القتل والدم يطورون من أساليبهم في التأثير، ويعتمدون على الإعلام والصورة والفضاء الافتراضي في كسب الداعمين، وتشكيل الحواضن وتفريخ الإرهابيين. بينما لا يستغل دعاة السلم وناشطو المجتمع المدني والصحفيون هذه الفضاءات على الشكل الأمثل، وهذا ما يتطلب العمل الجدي والحثيث على اختيار تقنيات حديثة في الكتابة وعرض المحتوى والصورة، تجذب اهتمام المتلقي وتحول نظره عن مشاهد الرؤوس المقطوعة والأعلام السوداء.

على هذا الأساس ينبغي رفد السلم وثقافته القائمة أصلاً بين المكونات والشرائح والتيارات الفكرية والسياسية بخطابات إعلامية منزوعة من التحريض، وبنتاج صحفي داعم لديمومة السلام المجتمعي والتعايش، من خلال كسر الصور النمطية عن الآخر المتمايز. وهنا يكمن دور الالتزام بقيم الصحافة الحقيقية ووقوف الصحفي في موقف متوازن على الأقل. ففي وقت تعلو فيه قرقعة السلاح، ربما يستحيل الحياد إلى خرافة، إلا أن التوازن والوقوف على حيثيات الحدث وعرض تفاصيله كلها، لا يزال ممكناً، وضمن حدود إمكانيات القائمين في الحقل الإعلامي، إذ أن نبذ خطاب الكراهية والتحريض ضمن هذه الظروف، هو جهد ينبغي أن تشترك فيه كل الجهود المجتمعية، وعلى رأسها جهود الصحفيين والكتاب والوسائل الإعلامية القائمة.

هيئة التحرير