الأحد , 27 مايو 2018
المشاريع التنموية في المنطقة الكردية وآفاقها المستقبلية

المشاريع التنموية في المنطقة الكردية وآفاقها المستقبلية

عامر خ. مراد: هل يحاول أصحاب المشاريع التنموية في المنطقة العمل لغدٍ أفضل؟،وهل المشاريع المؤقتة تمويلاً والمؤقتة على صعيد النشاط الحاصل في المراكز الموجودة مؤثرة سلباً أم إيجاباً على الواقع التنموي للمنطقة الكردية عموماً؟. وكيف يمكن تمديد الأثر الفاعل للمشاريع المؤقتة عبر مدّ جسور الفائدة المستقبلية وبناء الأساس المتين لأفكار بناءة ونشاطات عملية وإيجابية على الصعيد التنموي والتوعوي العام؟.

كل هذه الأسئلة تنتظر من المسؤولين عن كافة المشاريع التنموية التي تم تمويلها في المنطقة بعد “الثورة السورية”، أجوبة ترضي الاحتياجات الحقيقية لمن تؤسس لهم هذه المشاريع وتعتمد لهم هذه الاستثمارات.

فالواقع يبرهن أن معظم إن لم نقل كافة المشاريع الموجودة على أرض الواقع، لا تحمل في مضمونها الحقيقي البذور التي من شأنها أن تثمر وتصبح أشجاراً معرفية أو تنموية قادرة على تغذية الأجيال القادمة بالروح الخلاقة والفكر المتحرر ومبادئ احترام الآخر، أو روح المبادرة للعمل فيما بعد على رفع سوية الوعي العام والعمل على تأسيس واقع ديمقراطي حقيقي، نتيجة لما تم التضحية به من أرواح بشر أبرياء خلال هذه الثورة.

إن الأهداف التي يسطرها مقدّمو المشاريع التنموية ومع الأسف لا تبقى إلا حبراً على ورق في معظم الأحيان. وهذا ما يؤدي بنا إلى الاستفسار عن جدوى أي مشروع غير مراقب بما فيه الكفاية إلا من النواحي المادية (إلى حد ما)، والاستفسار كذلك عن مدى القدرة على التوجيه الصحيح لهذه المشاريع بما يخدم الواقع الحالي والمستقبلي للفئة المستهدفة على حد سواء.

إن المشاريع التنموية في المنطقة لا تأخذ بعين الاعتبار الديمومة في عملية التنمية ورفع سوية الوعي العام، وتتأثر بقصر مدة التمويل، فتصبح مشاريع مؤقتة في التمويل ومؤقتة في الفعالية. وهذا ما يؤثر على قيمتها ومدى قدرتها على الوصول إلى الهدف المنشود.

المنظمات الداعمة عادة ما تمول لأجل وضع الأساس لعملية تنموية مستدامة، ولكي يكون المشروع المؤسس النواة الأولى لمراحل وبنى لاحقة تؤسس عليها مجمل الأهداف المدرجة في المشروع المقدم إليها ومجرد العمل من قبلنا على إفراغ هذا الهدف من مضامينه الحقيقية، سيكون له أثر سلبي مستقبلي على العملية التشجيعية لهذه المنظمات، لأنها لن تجد أيّ نتيجة لما تقوم به ولن يؤدي هذا إلا إلى خسارة الوقت والمجهود في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها مناطقنا، التي تحتاج إلى الكثير من العمل والمثابرة للوصول بها إلى حالة مقبولة معيشياً وفكرياً بالتالي مقبولة إنسانياً.

والسؤال المطروح بعد طرح هذه المشكلة، هو الاستفسار حول ماهية المعايير التي يجب اتباعها من قبل المانحين للوصول إلى الهدف الحقيقي من إنجاز أي مشروع؟. إن أهم المعايير التي من المفترض الوقوف عندها قبل أي اختبار لجدوى المشروع هو المعرفة التامة بطبيعة الشخص الذي تم اختياره لإنجاز هذا المشروع والوقوف عليه وطبيعة نواياه من وراء هذا المشروع ومدى قدرته على الوصول بالمشروع إلى المبتغى. فالاختيار شبه العشوائي لهذه الشخصية أو انتظار الشخص حتى يقدم مشروعاً ربما يؤدي إلى الكثير من الأخطاء والجهل بالكثير من الأساسيات التي لابد من معرفتها في هذا الشخص. والتركيز على شخصية صاحب الامتياز تأتي لأنه الحلقة الأولى التي منها تبدأ عملية الربط بين كافة حلقات المشروع للحصول على سلسلة متكاملة ومتماسكة في سياق التطبيق لحيثيات المشروع.

يبدو أن أمر مراعاة احتياجات المنطقة ليست في الحسبان غالب الأحيان، بل أن مجرد طرح مشروع يحتاج فقط لتسمية مكانية مرفقة بالورقة المدون عليها هذا المشروع. ولذلك فإن وجود مشروع ما في بعض المناطق لا يكتسب أيّة أهمية  لعدم احتياج تلك المنطقة إلى هذا المشروع وما هو مقصود من وراءه. ولذلك فسبر الواقع يحمل في طياته بذرة النجاح الأولى، ولكن للأسف؛ فإن القضايا الأمنية والتوزع السكاني يكتسبان الموقع الأهم في عملية تقييم أي مشروع وبالتالي عملية الموافقة عليه، أمّا عملية البحث عن بدائل لحالة فقدان الأمن وتحوير المشروع بما يلائم الوضع الأمني الحرج فليس له مكان في فكر من يطرح المشروع أو يوافق عليه. ونحن نعلم أن لكل مسألة وقضية عويصة مخرج إن كانت الإرادة الحقيقية في التخديم موجودة بالفعل، فأي مشروع يمكن أن يطرح بأشكال عدة تتوافق مع الواقع الأمني بغض النظر عن التحوير في الأهداف والمبتغى من وراء المشروع، ودون البحث عن بديل للفئة المحددة والمستهدفة من وراءه.

الأمر الآخر الذي لابد من التركيز عليه، هو الرقابة الحقيقية على المشروع لكي لا يتحول المشروع أو يبقى حبراً على ورق، لأن التجربة أكدت أن هنالك عدداً كبيراً من المشاريع الممولة بقيت في نطاقها الورقي ولم تخرج إلى أرض الواقع. وهذا ما يفقد المصداقية بالجهة الممولة وبالحاصلين على الامتياز وبالتالي بكل مشروع يمكن طرحه أو حتى أي مشروع أثبت وجوده الفعلي وأثبت أهميته وقيمته وقربه للناس وخدمتهم. ولكل هذا لابد من إيجاد الآلية المناسبة والفعالة لهذه الرقابة.

لكي تصبح هذه المشاريع أجزاء في مشروع متكامل للنهوض بالمنطقة المستهدفة لابد من تنوع هذه المشاريع وعدم الاكتفاء بأنواع محددة منها. فما يبدو للعيان هو أن مجمل المشاريع الموجودة تنقسم إما إلى مشاريع إغاثية أو إعلامية في الجانب الأكبر، وهذا ما يؤدي إلى إهمال الكثير من الجوانب الأخرى والتي تحتاج إلى الاهتمام الفعلي وفيها حاجة ملحة للتنمية والتطوير، لأن أي نوع من التطور سيكون بحاجة للعمل في كافة المجالات، وإن أي تطور في جانب معين على حساب جوانب أخرى سيؤدي بعملية التنمية إلى أن تكون عملية ناقصة ومشلولة وغير قابلة لأن تصبح عاملاً لإنقاذ المواطنين من الوقوع في كنف الجهل والفاقة والعوز، أو البقاء فيها أصلاً.

إذاً فعملية التنمية الدائرة في منطقتنا الكردية وبالرغم من توفر مشاريع (كثيرة) إلى حد ما، تحتاج إلى عملية قيصرية لكي تخرج من الحالة التي وصلت إليها، ربما عن قصد أو بدونه، وربما بسبب عدم اهتمام كافٍ من الجهات الممولة أو عدم اهتمام من القادرين على إنجاز هذه المشاريع على الأرض، فالعملية التنموية والتأسيس لمشاريع في المنطقة تحتاج هي نفسها لمشروع يدرسها ويعمل على تقويمها.