الأحد , 27 مايو 2018
النزاعات المسلحة غير الدولية (المفهوم ونطاق الحماية)

النزاعات المسلحة غير الدولية (المفهوم ونطاق الحماية)

أحمد الياس: القانون الدولي الإنساني – حسب تعريف منظمة الصليب الأحمر الدولي – هو “مجموعة القواعد الدولية المعتمدة بموجب معاهدات أو أعراف، لحل المشاكل ذات الصفة الإنسانية الناجمة مباشرة عن المنازعات المسلحة الدولية أو غير الدولية، عبر الحد من حق أطراف النزاع في اللجوء إلى ما يختارونه من أساليب أو وسائل للقتال، لاعتبارات إنسانية تتعلق بالأشخاص والممتلكات”.

ويتأسس القانون الإنساني الدولي على مبادئ رئيسية في مقدمتها، مبدأ التمييز، والمقصود به: ضرورة تمييز أطراف النزاع بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وفي حال الشك في هوية الهدف ما بين مدني أو عسكري، يتعين الافتراض حكماً بأن الهدف هو مدني. وثاني هذه المبادئ هو، مبدأ التناسب بين المكاسب العسكرية المتوقع تحقيقها والخسائر في صفوف المدنيين والأضرار التي تلحق بالمباني المدنية. وفي جميع الأحوال يتعين على أطراف النزاع اتخاذ احتياطات من أجل حماية المدنيين، من خلال الأخذ بالحسبان توقيت الهجوم، والتأكد ما أمكن من توجيه تحذيرات مسبقة للمدنيين قبيل شن الهجوم، ومن ثم وقف الهجوم إذا اتضح أن الهدف مدني، أو أن الأثر على المدنيين سوف يكون غير متناسب والمكاسب المتوقعة. ويترتب على ذلك بالضرورة عدم وضع المباني والمعدات العسكرية من قبيل مخازن الذخيرة في المناطق ذات الكثافة السكانية.

وتطبق قواعد القانون الدولي الإنساني في جميع النزاعات الدولية أو غير الدولية، وقواعد هذا القانون المنطبقة في النزاعات المسلحة الدولية متجذرة في الأعراف والمعاهدات الدولية، على خلاف ما هو الحال في المنازعات غير الدولية، نظراً لقيود السيادة وشبهة التدخل في شؤون الدول الداخلية، وحيث أن هذا الشكل الأخير للنزاعات قد أضحى الغالب منذ انتهاء فترة الحرب الباردة، فمن المناسب إيلاءها بعض الاهتمام والتوضيح.

مفهوم النزاع المسلح غير الدولي

النزاع المسلح غير الدولي؛ حالة من حالات العنف تنطوي على مواجهات مسلحة طويلة الأمد بين القوات الحكومية وجماعة أو أكثر من الجماعات المسلحة المنظمة، أو بين تلك الجماعات بعضها البعض، وتدور على أراضي الدولة. وينبغي توافر معيارين محددين لإمكانية القول بوجود نزاع مسلح غير دولي وما يستتبع ذلك من نتائج على صعيد تطبيق القانون الدولي الإنساني، وهما: أن يتوفر لدى الجماعات المسلحة المنخرطة حد أدنى من التنظيم، وأن تصل المواجهات المسلحة إلى مستوى أدنى من الحدة. ويُحدَّد مدى الوفاء بهذه المعايير في كل حالة بمفردها، من خلال تقييم عدد من المؤشرات الفعلية.

ويساعد تطبيق هذين المعيارين على التمييز بين النزاع المسلح غير الدولي وغيره من أشكال العنف أو الاضطرابات الداخلية التي لا ترقى لهذا الوصف. وتندرج الحرب الأهلية ضمن حالات النزاع المسلح غير الدولي بحيث تنعدم الفروق بينهما، فمصطلح “الحرب الأهلية” ليس له معنىٍ قانوني في حد ذاته. كما هو الحال مع المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف التي تستخدم مصطلح “نزاع مسلح ليس له طابع دولي”.

وبموجب المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف لعام 1949، فإن على كل أطراف النزاع  احترام القانون الدولي الإنساني وكفالة احترامه من قبل جميع من ينفذون تعليمات هذا الطرف أو يعملون تحت إشرافه أو سيطرته حتى وإن لم يحترمه الطرف المعادي. وبعبارة أخرى؛ فإن الالتزام باحترام القانون الدولي الإنساني لا يعتمد على المعاملة بالمثل. ويسري الالتزام السابق في جميع الأوقات وبغض النظر عن الأوصاف التي يحملها أي طرف أو يعتقدها في الأطراف الأخرى في إطار النزاع المسلح غير الدولي (جماعة إجرامية أو إرهابية أو مقاتلون من أجل الحرية أو ثوار أو نظام غير شرعي أو سلطة أمر واقع)، دون أن يمنح هذا الالتزام الحق في كسب شرعية أو اعتراف على أي نحو خاص بموجب القانون الدولي الإنساني.

ويشمل نطاق الحماية حسبما تنص المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف، التزام أطراف النزاع بتطبيق حد أدنى من الأحكام على الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو لأي سبب آخر، وضرورة معاملتهم في جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أواللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو المولد أو الثروة أو أي معيار آخر مماثل.

ونظراً لقصور نطاق الحماية بمفهومها السابق من حيث تحديد الفئات المحمية ومدى نطاقها، فقد استدعت الحاجة إلى إيجاد نصوص مفصلة تتناول حالات تطبيق القانون الدولي الإنساني في النزاعات المسلحة غير الدولية، وهو ما تم بموجب البروتوكول الثاني الإضافي لعام 1977 الملحــــــق باتفاقات جنيف والمتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.

البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 وتوسيع نطاق الحماية

تنص المادة الأولى من هذا البروتوكول أنه يطور ويكمل المادة الثالثة المشتركة من اتفاقيــات جنيف المبرمة في 12 آب 1949، دون أن يعدل من الشروط الراهنة لتطبيقها ويسري على جميع النزاعات المسلحة التي لا تنطبق عليها الأحكام الخاصة بالمنازعات المسلحة الدولية، لحماية ضحايا النزاع الذي يدور على إقليم أحد الدول الأطراف في البروتوكول، وبين قواتـــــه المسلحة وقوات مسلحة منشقة أو جماعات نظامية مسلحة أخرى تمارس تحت قيادة مسؤولة على جزء من إقليمه من السيطرة ما يمكنها من القيام بعمليات عسكرية متواصلة ومنسقة.

ويأتي في مقدمة الفئات المحمية بأحكام القانون الدولي الإنساني حسب أحكام البروتوكول الثاني المدنيين وخاصة الأطفال والنساء، وأفراد الخدمات الطبية وأفراد الهيئات الدينية وجمعيات الغوث وأعمال الغوث إلى جانب أحكام خاصة بحماية الأعيان التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، وحماية الأعيان الثقافية وأماكن العبادة.

وتشمل الضمانات الأساسية التي يتمتع بها جميع الأشخاص الذين لا يشتركون بصورة مباشرة أو الذين يكفون عن الاشتراك في الأعمال العدائية، الحق في أن يحترم أشخاصهم وشرفهم ومعتقداتهم وممارستهم لشعائرهم الدينية ومعاملتهم في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أي تمييز مجحف. إذ يحظر في أي حال من الأحوال وفي أي وقت إقدام أحد أطراف النزاع على الإعتداء علـى حياة الأشخاص وصحتهم وسلامتهم البدنية أو العقلية ولا سيّما القتل والمعاملة القاسية والتعذيب والتشويه، وأخذ الرهائن وأعمال الإرهاب وانتهاك الكرامة الشخصية والاغتصاب والإكراه على الدعارة، وكل ما من شأنه خدش الحياء العام وجميع صور الرق والسلب والنهب والتهديد بارتكاب أي فعل من الأفعال السابقة.

ونظراً لخصوصية بعض الأطراف المشمولة بالحماية كالأطفال والنساء، فقد ألزم البروتوكول أطراف النزاع بضرورة توفير الرعاية والمعونة للأطفال بقدر ما يحتاجون إليه، وبصفة خاصة التعليم، واتخاذ الخطوات المناسبة لتسهيل جمع شمل الأسر، مع حظر تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة في القوات أو الجماعات المسلحة، مع استمرار أحكام الحماية الخاصة بالأطفال دون الخامسة عشرة سارية عليهم إذا اشتركوا في الأعمال العدائية بصورة مباشرة إذا ألقي القبض عليهم.

ويشكل أي خرق لأحكام هذا البروتوكول ومجمل أحكام القانون الدولي الإنساني جريمة حرب أو جريمة إبادة أو جريمة ضد الإنسانية حسب توصيف الفعل ويعرض المسؤولين عنه للمساءلة الجنائية أمام المحاكم الوطنية أو محكمة الجنايات الدولية.