داعش تختطف أحلام أطفال الجزيرة

ماريا عباس: الخوف والكوابيس ليست بظاهرة غريبة عن عالَم الطفولة، فقد يخاف الطفل من حيوانٍ لم يألفه أو من معلم صارم يعاقبه، ولكن أن يغتصب داعش أحلامه عنوة؛ فهنا تكمن الخطورة. ويتضح ذلك من خلال الأثر الكبير الذي يعرضه الإعلام من صور القتل والعنف والمشاهد الدموية القاسية على النظر والحس الإنساني التي نشاهدها بمشاركة أطفالنا في المنزل على شاشات التلفزة وصفحات الشبكة الإلكترونية، أو مما عايشه في الحقيقة، ما يؤدي إلى زرع بذرة الخوف والإرهاب في نفسه لتنعكس سلباً على سلوكياته، إما بالتقليد وهي من صفاته أو بالنكوص. وإنَّ استسهال هذا الموضوع وتجاهله إنما له عواقب وخيمة على تكوين شخصية طفلٍ، يمثلُ نموذجاً لجيلٍ بأكمله، ستنمو مرتبكة وغير سوية. واتباع أسلوب التخويف على الدوام يزرع في نفسه إنساناً يعاني من الرهاب، كقولهم: “لا تذهب إلى الشارع بمفردك فيخطفك اللصوص أوستتعرض للقتل”.

 لسنا نسهّل من حجم الأزمة التي نعيشها في سوريا تحديداً، لأن ظاهرة العنف أصبحت جزءاً من رُهاب القلق الذي يجتاح حياتنا الطبيعية. ولكن من حقّ الطفل أن يحيا طفولته بقدر المستطاع بعيداً عن الخوف والقلق. وهنا يجب تحديد المسؤولية وجهاتها، التي تقع على عاتق الأسرة والمدرسة أولاً، والمنظمات المدنية المختصّة ثانياً، لتقديم الدعم والثقافة لتأمين الطفولة وحمايتها من أنواع الإساءة الجسدية والنفسية والجنسية، ومساعدته ليحيا طفولته بقدر المستطاع وتوجيهه بممارسة اللعب بما يناسب مرحلته العمرية، كالرسم ومشاهدة الأفلام الممتعة وبعض النشاطات الأخرى، وسرد القصص لهُ وإخراجه إلى الحدائق والزيارات العائلية، ومنحه الحنان والرعاية الكافية، واحترام رأيه وإقناعه بالأمور.

بعض آراء المهتمين

تقول المرشدة النفسية شيرين شيخي: “إن ظروف الحرب التي نعيشها في الواقع أثرت على نفسية الطلبة بشكل عام وخاصة  الفئة العمرية ما بين 12-17 سنة، وهي فئة المهارات والقدرات العقلية النشطة. إذ أدت إلى تراجع في المستوى الدراسي عامة نتيجة لحالات تشتيت الانتباه وعدم القدرة على التركيز في الحصة الدرسية ورغبة بعضهم إلى ترك الدراسة لأنهم باتوا يدركون أنّ لا فائدة ولا مستقبل لهم. سيشعرون بالنقص إن كانوا لاجئين وعالة على غيرهم ولا يتمتعون بكافة الحقوق لممارسة حرياتهم ونشاطاتهم، لكبتِ رغباتهم وحاجاتهم وإخفاء ما بداخلهم من آلام ومخاوف، فينخرطون في سلوكيات خاطئة”.

أما الكاتب صبري رسول، تربوي وحاصل على دبلوم في البرمجة اللغوية العصبية فيقول: “لقد أثَّرت حالة الحرب السورية على تعامل الأبناء مع الأهل، ومع أقرانهم الأطفال، فقد بدأ الميل للعنف واضحاً في التعامل واللعب وسرعة الغضب التي باتت تغدو عادة غير مستحبة في سلوكهم نتيجة القلق الدائم بسبب الخوف ومشاهدة صور العنف بشكل يومي. حتى الأهل تبددت طموحاتهم فتحولت من السعي لتأمين مستقبل أطفالهم إلى العمل من أجل البقاء فقط. واحتلّت الدراسة درجات سفلى في قائمة الأولويات الحياتية”.

تقول أم عبد اللطيف نازحة من الرّقة: “لم يعد لابني البالغ تسع سنوات رغبة في الدراسة، فقد كان متفوقاً ولكن حرمانه من التعليم بسبب تدخّل تنظيم داعش في المدارس وفرض مناهج خاصة عليها أثّر في تحصيله الدراسي، وبسبب تدني مستواه الدراسي بات ضحية الخجل والخوف الذين نعجز عن تحريره منهما”، مضيفة: “انظري إلى ملامحه سترين آثار الرّهاب الذي عايشه هناك (في إشارة إلى الرقة)، وحرمانه من أبسط احتياجات الطفل وهي اللعب والحلوى”.

 وكي نخفّف تأثير السلبيات الخطيرة على تكوين شخصيته، علينا اختيار الوسائل الأنسب في هذه المرحلة الحساسة. وألا ندخّر جهداً في دعمهم وحمايتهم لأننا بذلك نرسم المستقبل الذي نريده، وكلما أبدعنا في رسمه كان أجمل وأرقى، وألا نتغاضى أبداً عن أنَّ هؤلاء سيكونون صناع تاريخنا، وبناة حضارتنا. أطفالُنا جواهرٌ ثمينة تحتاج لمن يصقّلها لا أن يكسرها.