بالكاد أجد فروقاً بين ملامح البشر وأنا أكابد مشقّة عبور الحشود المتجمعة لشراء حاجيات العيد في سوق (سَرخَتي)، تلك البقعة المتوسطة سوق مدينة قامشلو التي كانت تباع فيها بضاعة معبر نصيبين سابقاً حين كانت الحدود التركية مفتوحة، تتداخل صور الثياب، والأقمشة، وتلال البسكويت الرديء، وأكياس حفاضات الأطفال العملاقة، وأواني قلي الفلافل، وصحون القيمر، وأوعية الزيتون الأسود والأخضر.

تزدحم في ذهني الأفكار وتختلط رائحة الأجساد المتعرقة بروائح بهارات الكليجة، أغدو أسير خَدرٍ يعتري رأسي ويشعرني بأن يد هذه الحرب المقيتة مبتورة كليلة، فمهما تجاسرت على الإيذاء والغدر فهي لن تنهش من هوس الحياة لدى بشر بسطاء شروى نقير، فهم ينهضون إثر كل تعثّر، وينسجون وقتهم بأنوال الكَد والعِناد.

شمس آب اللّاذعة تخترق الفراغات بين الشوادر التي تغطي أجزاء من السوق المكتظ، لتزيد من الغباش أمام عيني، يصرخ بائع من على بسطته ليجذب المارة إلى بناطيل الجينز الولادية المكحوتة فتنجذب نسوة متشحات بأردية ملونة إلى مصدر الصوت، لتبدأ طقوس المفاصلةوالسجال ممزوجة بنبرة حادة لبكاء رضيع في القماط، وضعته أمه بين البناطيل الكحلية وسط العربة.

على مقربة من هذه المعمعة ينهض بائع حلويات ذو ملامح حادة وشارب مصبوغ من على كرسيه الخشبي، يخرج سيكارة من علبة الدخان الرخيصة الموضوعة تحت الغطاء الفاصل بين صفيح أرضية العربة وبين بضاعته المعروضة، يُعقِب الرجل الستيني ذلك بصرخة مدوية تشبه مطالع المواويل التراثية، ليتضح لي أنها لم تكن سوى طقس من طقوس ترويج البضاعة المعروضة فوق عربة خشبية مغطاة بصفيح ملون على أطرافها، مُثبّتٍ بمسامير مدببة تشبه تلك التي كانت تنقش بها الأبواب الخشبية القديمة.

استعجل الخروج من الزحام فتعود ملامح الوجوه للتماثل وكأنها نسخ كربونية، أصارع الشرود قبل أن يسبقني زمور سيارة أو كتف طائشة تصدمني في الزحام، أصل لشارع الوحدةالمزدحم بالسيارات والمارة، أجد أناساً متجمعين أمام محل للسندويش ينتظرون أدوارهم، وآخرين في الشارع الفرعي يفترشون الأرض على مقربة من عيادة طبيب، رجل منهك الوجه يحمل طفلاً مبتور الأطراف ربما يكون ضحية لغم أو قصف، يتهيأ للصعود به إلى مخبر الأشعة السينية، عجوز فارعة الطول بلباس كردي تخرج من عيادة مجاورة تتكئ على ذراع صبية منسدلة الشعر تماثلها في طولها ولون عينيها العسليتين، تتجادلان في أمر ما، ترضخ الصبية لعناد العجوز وتكف عن الجدال. تعود الوجوه للتشابه وتختلط صور محلات الإلكترونيات والألبسة وسيارات الأجرة الصفراء، تخترق شرودي رائحة كعك الحليب منبعثة من فرن قريب، أخمن من الرائحة القوية أن الكعك شديد الحلاوة وكثير الدسم، تنكمش معدتي، أعبر شارعاً أقل ازدحاماً غير أنه موبوء بضجيج مولدة كهرباء ضخمة تغذي جزءاً كبيراً من السوق، أرفع رأسي مذهولا من التشابك المهول لكابلات الكهرباء السميكة والرفيعة، الممددة على عجل وبدون ترتيب، تلك الكابلات المتشابكة تشبه تفاصيل حيوات البشر في هذه الرقعة إلى حد بعيد.