التعايش وردم الفجوة بين المكونات

إن مسألة التعايش المشترك بين المكونات باتت تأخذ حيزاً أكبر في النقاش العام منذ اندلاع الثورة السوريّة وحتّى الآن، بل وكانت متواجدة في التداول الرسمي قبل عام 2011 أيضاً، ولكن ليس بوصفها هدفاً نسعى إلى تحقيقه، وبالتالي يُسمَح بالنقاش حوله، بل بوصفها أمراً منجزاً نستطيع التباهي به أمام دول مثل العراق ولبنان ونسخر من انجرارهم إلى حروب أهليّة تشبه الحرب التي نخوضها اليوم.
ومع نهاية عام 2012 تقريباً ظهر التباين بين المكوّنات السوريّة واضحاً وغير قابلٍ للتعامي عنه مجدّداً، وأدّى إلى أن يُفتَح باب واسع للنقاش حول هذه المسألة تراوحت مواضيعه بين النقاش حول حق هذه المكوّنات في الحياة أساساً، وبين البحث عن سبل ووسائل قانونيّة ومجتمعيّة تحافظ على هذا التنوّع وحقوق المكوّنات. هذه المواضيع المختلفة تصدّرت كلّ واحدةٍ منها واجهة التداول العام ضمن منظومات قيميّة مختلفة عن بعضها البعض ويستحيل تعايشها معاً في دولة واحدة وتخوض صراعها المصيري الآن فيما بينها. وفيما يبدو أنّ الإجابة عن السؤال الذي طرحته القوى الفاشيّة (القوميّة أو الدينيّة) على نفسها لم يكن صعباً، مع اختلافات طفيفة مراوغةً أو مرونةً فيما بينهم، ربّماً نظراً للمخزون الإيديولوجي التأسيسي الضخم الذي يعتمدون عليه، نجد أنّ القوى العلمانيّة والأكثر انفتاحاً تشتّتت في الإجابة عن السؤال الثاني حول حقوق المكوّنات والسبل التي تحافظ على هذا التنوّع، واكتفت بافتراض أنّ السؤال الأوّل الذي تطرحه القوى الفاشيّة قد تجاوزته هي ولم يعد مطروحاً لديها، وأنّ الصحيح البديهي لديهم هو وجود تعايشٍ ما، غير محدّد الملامح، بين المجتمعات العرقيّة والدينيّة ضمن الحدود السياسيّة الموجودة أو المأمول إنشاؤها، «تعايش» يعتمدون في أدوات تأسيسه الأولى وأدوات استمراره اللاحق على قدرة الجندي في الوصول إلى أبعد نقطة جغرافيّة ممكنة، وعلى الإجبار القانوني الذي يفرضه المجتمع الدولي على المجتمعات المحليّة بهدف تحقيق «الاستقرار».
ولكن في واقع الحال فإنّ «التعايش» ليس بالوضع البديهي أبداً، لأنّه يتطلّب عملاً وجهداً كبيرين لمنع اختفاءه وحلول الحرب الأهليّة بدلاً عنه، ويلزم دراسة مستمرة ومعمقة للمصالح المتعارضة والمخاوف المتبادلة، وهما من الدوافع الرئيسيّة لحدوث النزاعات. ويميل البعض للدفاع عن بداهة التعايش بتحميل مسؤوليّة الحروب والصدامات الأهليّة على عاتق السلطة الديكتاتوريّة وحدها التي تملك مصلحة في تسعير الحرب، إلا أنّ ذلك يفتقد للأدلة الكافية، بل تتوفّر أدلّة تثير الشكوك في مصداقيّة هكذا موقف: فالهند التي كان يحكمها غاندي عانت من أعمال قتل وحرق متبادل بين الهندوس والمسلمين. وأوروبا ممثّلة الدولة الديمقراطيّة النموذجيّة تضمّ جماعاتٍ من اليمين المتطرّف يعتدون على المهاجرين ويحرقون مخيّماتهم. في الولايات المتّحدة أيضاً تحوّلت محاكمة سيّئة لعناصر من شرطة لوس أنجلوس إلى أعمال شغب لم تقتصر ضدّ الحكومة فقط بل طالت الجاليّة الكوريّة هناك. وهناك أمثلة لأحداث أخرى حصلت في دول ديمقراطيّة وغير فاشيّة نسبيّاً، لا يمكن حصرها في هذا المقال، تفيد بأنّ المسؤوليّة عن تدهور العلاقة بين المجتمعات إلى حالة العنف ليست على عاتق السلطة وحدها.
إضافة إلى ذلك، فإنّ التعايش الذي تطرحه القوى غير الفاشيّة ليس أمراً واضحاً ولا معروف الملامح، عدا عن أنّه بمجمله لا يتعدّى مجرّد استخدام للمصطلح بهدف إخفاء القسريّة في جانبه التطبيقي؛ فجميع القوى الفاعلة (وهذا إطلاقٌ أجد نفسي مضطرّاً لاستخدامه)، معارضة أم سلطة، قوميّة أم يساريّة، لا تقبل بحق تقرير المصير للأقليّات (ولا للأغلبيّة) التي تعيش ضمن حدودها السياسيّة، أي أنّها تجبر تلك المجتمعات على العيش تحت سيطرتها، ومن ثمّ تسمّي ذلك «تعايشاً». وحتّى إن كانت تلك القوى تقبل بتقديم مجموعة من الحقوق تختلف باختلاف التوجّهات السياسيّة (من الاكتفاء بحق الحياة لتلك الأقليّات، وليس انتهاءً بمشاركتها المباشرة في الحكم)، فإنّ ذلك لا يستطيع تعويض فقدان الشرط الأوّل، وهو قبول الطرفين بالعيش المشترك.
وبالذهاب أعمق في هذه المسألة نجد أنّ المفهوم المتداول للتعايش في سوريا ليس فقط عاجزاً عن تعويض حق تقرير المصير بحقوق أخرى، بل نجد أنّ تلك الحقوق الأخرى ما هي في الواقع إلا هبات تقدّمها تلك القوى لتستردّها لاحقاً متى أرادت، ولعلّ التطوّر الزمني للدستور السوري (وتراجعه بالمعنى الحقوقي) يعطينا دليلاً على تلك الهبات المستردّة، فدستور عام 1930 خلا من أيّ إشارة مباشرة لهويّة سوريا القوميّة بل وتضمّن مادّة تتيح للأحداث التعلّم بلغتهم الأم، فيما قام دستور 1950، وبعكس التطوّر المفترض، بالتأسيس الحاد والواضح لإعطاء سوريا هويّة عربيّة وألغت امتياز اللغة الأم، لتتلوها لاحقاً في ذات المنحى دساتير متعاقبة أكثر سوءاً مما قبلها ليتوّجها نظام الأسدين بأقصى ما يمكن للعصر الحديث أن يصله من انحدار. ومن المؤكّد أنّ الكثير من العوامل لعبت دوراً في هذا الانحدار، إلا أنّ أهمّها هو توفّر القدرة أساساً لدى تلك القوى على إلغاء حقوق الأقليّات متى أرادوا لأنّها ليست حقوقاً مستحقّة بنتيجة اتّفاق بين طرفين يشترط موافقتهما الحرّة أوّلاً، ويحتوي شرطاً (صريحاً أو ضمنيّاً) بإلغاء الاتفاق نفسه في حال إلغاء الحقوق، بل جاءت نتيجة إجبارٍ عسكري داخلي (بدأه الاستعمار الغربي واستمرّت عليه الدولة السوريّة) وإجبارٍ قانوني دولي ترافقا مع إضعاف متعمّد للأقليّات حتّى لا تستطيع الدفاع عن حقّها الأصلي بتقرير المصير.
ليس ثمّة مجموعة محدّدة وموحّدة من الإجراءات التي تصلح لإحلال التعايش لجميع الشعوب، بل تختلف هذه الإجراءات باختلاف الظروف التاريخيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ومستوى الحريّات ضمن كلّ مجتمعٍ متنوّع، ولكن بالنسبة لمجتمعات لم تستطع بعد الانتظام في دولة واحدة كشعبٍ واحد خلال ما يقارب القرن، فإنّه من المناسب لقواها السياسيّة أن تعود إلى الأصل الذي يُبنى عليه التعايش وهو حق الأقليّات بتقرير مصيرها، وأن تتقبّل النتائج المترتّبة على هذا الحق، بما فيها الانفصال، فإن حصل الانفصال كان القبول الأوّل لممارستها هذا الحق بمثابة خطوة أولى نحو بناء علاقات حسن جوار بين الدولتين، وإن لم يحصل الانفصال عندها لن تكون الحقوق المترتّبة على هذا القرار بمثابة هبات يسهل انتزاعها.