العلاقة بين الديمقراطية والحكم الرشيد

كشروط سياسية للتنمية

لم تكن طبيعة الأنظمة الحاكمة في البلدان النامية وتوجهاتها السياسية نقطة جوهرية من المنظور الاقتصادي في ظل فترة الحرب الباردة، إذ أن هذه البلدان التي ترواحت توجهات أنظمتها بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، تميزت بدرجة كبيرة من التدخل الحكومي في مفاصل النشاط الاقتصادي. وكان النمو الاقتصادي المجرد هو الهدف الرئيس، وهو هدف ارتبط واختصر بالأرقام والتراكم، بغض النظر عن العدالة في توزيع الدخل القومي مع عَدْ بقية الجوانب الاجتماعية والسياسية مجرد ثانويات. إلا أن الأزمات الاقتصادية التي واجهتها البلدان النامية منذ منتصف عقد السبعينات الماضي، ومن ثم عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي لاحقاً أبرز حاجة ملحة الى إعادة النظر في المفاهيم الأساسية لعملية التنمية ومواءمتها مع الديمقراطية.
قادت عملية المراجعة هذه المنظمات الدولية ولاسيما الاقتصادية منها والتي ذهبت في تفسيراتها لأسباب هذه الأزمات المتلاحقة حسب الآلية التالية: أن الأنشطة الاقتصادية تتم لصالح فئة معينة من المجتمع، بينما تبقى الأغلبية محرومة من ثمار التنمية، لأنها لا تشارك بالأصل في عملية صنع القرارات المتعلقة بها، ولا تملك أي تأثير في توجيهها. ومع أن مظاهر هذا التغييب والتجاهل للفئة العظمى من أفراد المجتمع واضحة، إلا أن حكومات البلدان النامية لا تتخذ أي تدابير أو إجراءات لمعالجة المشكلة بسبب غياب الديمقراطية. ففي أي مجتمع ديمقراطي هناك حاجة للاستجابة للقلق النابع حول طرق إنصاف الخاسرين وتعويضهم وسبل تغيير وضعهم بما يؤهلهم للاستفادة من مزايا التغيير والإصلاح. وهو ما لا يتوفر في البلدان النامية التي تفتقر إلى أدنى معايير المشاركة في السلطة والممارسة الديمقراطية في دوائر صنع القرار.
استناداً إلى ما سبق ومنذ أوائل التسعينات برز طرح جديد في أروقة المنظمات الدولية، مضمونه الربط بين الديمقراطية والأداء الاقتصادي الجيد، على أن مفهوم الديمقراطية المطروح تجاوز مجرد المفهوم الكلاسيكي القائم بذاته في إطار نوع من التكامل العضوي بين الديمقراطية والحكم الرشيد والتنمية ومفرزاتها. فكل مفهوم هو أداة وهدف في آنٍ واحد، فالحكم الرشيد وعلى الرغم من صعوبة الوقوف على تعريف جامع ومانع له، فإنه ليس مجرد وصفة لغياب الديمقراطية وإنما أيضاً لحالات الفساد والترهل الإداري وهي أمراض تعاني منها البلدان ذات العراقة الديمقراطية.
وبعبارة أخرى؛ يمكن القول إن المزواجة بين الديمقراطية والحكم الرشيد أنتجت مجموعة من الشروط السياسية للتنمية. فالديمقراطية المقصودة بهذا الصدد لا تقتصر على ديمقراطية الحكومة، وإنما تشمل وفقاً لمفهوم الحكم الرشيد أيضاً ديمقراطية القطاع الخاص والمجتمع المدني، بحسبانها شروطاً أساسية للتنمية ولزيادة جاذبية أسواق البلدان النامية، وتشجيع المنظمات الدولية والجهات المانحة في منح المساعدات والإقدام على الاستثمار طالما تتيقن الآثار الإيجابية والشاملة لاستثماراتها، والمشاركة في عملية الإصلاح، فيما إذا رأت أن هذه المشاركة ناجعة وتعطي ثماراً إيجابية شاملة. وهو ما يوازيه بالمقابل الاهتمام بمجموعة المخاطر التي يمكن أن تهدد العملية التنموية ومن أهمها الفساد الإداري والسياسي، نظراً إلى ما تمثله من تأثير سلبي على مشروعية النظام واستقراره في الكثير من البلدان النامية.
وتقوم مرتكزات الحكم الرشيد على الأسس التالية:
– المشاركة: يقصد بها إتاحة المجال للأفراد للمشاركة الفعالة في إدارة شؤون المجتمع، ومنحهم مطلق الحرية والمساواة لعرض آرائهم وطرح أفكارهم والتعبير عن مصالحهم بما يمكنهم من المشاركة والتأثير الفعال في صنع القرارات. وهو ما يعني بالمقابل تغييراً في عقلية السلطة ونظرتها في التعامل والتفاعل مع أفراد ليس بوصفهم محكومين فحسب بل من خلال شبكة مدنية ممثلة بقطاعات حداثية مثل الأحزاب، ومنظمات غير حكومية، ونقابات وغيرها. الأمر الذي يستدعي تأسيس ثقافة مدنية حقيقية لدى أفراد المجتمع.
– الشفافية: تعني تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة لجميع الأفراد وتسهيل حصولهم عليها.
– المحاسبة: يقصد بها خضوع المسؤولين للرقابة والمساءلة عن ممارستهم لسلطاتهم، وتحمُّلهم نتائج المهام التي يقومون بها، بما يمكّن من نزع صفة قدسية السلطة، مع تقبل النقد البنَّاء وإتاحة التحاور مع الآخرين.
– حكم القانون: وبمقتضاه يجب أن تتوافر ترتيبات قانونية وقضائية واضحة تنظم وتحكم نشاطات الأفراد وممارساتهم مع ضمان مساواة جميع الأفراد أمام القانون، من حيث التمتع بالحماية القانونية أو نيل الجزاء على مخالفاتهم. ويضاف إلى ذلك وجود الأجهزة القانونية الكفؤة والمستقلة عن سيطرة الدولة التي من شأنها تشجيع الأفراد على ممارسة نشاطاتهم بحرية وبوضوح.
– الفاعلية: المقصود بها العمل على تخصيص الموارد المتاحة بأفضل وسيلة ممكنة استجابة للحاجات الجماعية. ويجب أن تتوافر القدرة والكفاءة لدى المؤسسات التي تقوم بهذه المهام مع التواصل مع الناس من أجل معرفة آرائهم وخياراتهم، وهو ما يعني تمكين القطاع الخاص من إدارة جزء من الدولة. ويشترط لذلك توفر رغبة حقيقة من السلطة بإشراك فواعل المجتمع الرئيسية في آليات الحكم وليس مجرد عملية تمويه وشعارات براقة.
– الإنصاف: ويعني العمل على ضمان المعاملة العادلة غير المتميزة للجميع واتخاذ الخطوات اللازمة لتقليل الفوارق الطبقية وتوزيع ثمار التنمية على جميع الفئات.
مما لا شكَّ فيه أن هذا المفهوم المعاصر للديمقراطية ولمرتكزات الحكم الرشيد مقبولة وإيجابية، ومطلوبة في ظروف البلدان النامية التي لا تخلو من جوانب قصور عديدة على صعد شفافية ممارسة السلطة وحكم القانون والعلاقة بين السلطة ومواطنيها. بموازاة ما فرضته قضية التنمية من تحديات، إلا أنه يجب مراعاة دور أطراف العلاقة في هذه المعادلة، والمقصود بذلك الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في ضوء تحديين أساسيين وهما؛ اقتصاد السوق الحر وطبيعة هيكل الدولة في البلدان النامية. فالحكومة كمؤسسة حصرية تهتم بإدارة الشؤون العامة تبدو غير ملائمة بموجب تصورات المنظمات الدولية وتصويرها لمفهوم الحكم الرشيد. وبعبارة أخرى لا يمكن التسليم بتلاشي دور الحكومة بما تمثله من سلطة لها سيادتها واستقلاليتها ولاسيما على الصعيد الداخلي في ضوء تنامي وتعقُّد الروابط الخارجة عن سيطرة الدولة وتضاؤل هيمنتها ودورها القيادي. وإذا كان مصطلح الحكم الرشيد لا ينصرف فقط إلى وظيفة الدولة وإنما يشمل كذلك المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني ودورها في حكم الفضاء العالمي، فهو لا يعني بطبيعة الحال عدِّ الجانبين على طرفي نقيض وتصوير المجتمع المدني على أنه مستودع القيم والحرية، وأن الدولة تحمل طابع الاستبداد.