عمل النساء والدوران في فلك المحظور

«الناس هنا طيبون.. ولكن، ربما أنا التي اخترتُ مهنةً صعبةً نوعاً ما وغير مقبولة»
بهذه الكلمات تصفُ ما آل إليه مشروعها والمهنة التي كانت تعيش منها؛ «أم علي»، نازحة سورية في الخامسة والثلاثين من عمرها، كانت تدير مطعماً صغيراً في مدينة عامودا بعد أن أُجبرت على مغادرة مدينة اللاذقية إثر اضطراب الأوضاع الأمنية في ريفها.
تُعتبر «أم علي»، أول امرأة أدارت مطعماً في عامودا التي لم يعتد الناس فيها على رؤية النساء يعملن في هكذا مهنة، على الرغم من خوضهنَ في العديد من المجالات التي لم تعملن فيها سابقاً، غير أنها لا تزال ترفض العمل في بعض المهن غير المألوفة بالنسبة لها، أو أنها تعتبرها نوعاً من المخالفة للعادات والتقاليد التي قد تجلب لها الكثير من المضايقات.
قصة نجاح لمشروع لم يكتب له الاستمرار
بعد وفاة زوجها، استقرت «أم علي» مع ابنتها الصغيرة في مدينة عامودا لتبحث عن عمل تعيل منه أسرتها الصغيرة. لكنها لم تجد أيّة فرصة تناسب ما كانت تتقنه من أعمال؛ إذ كانت تعمل كنادلة في مطعمٍ صغير في ريف اللاذقية. تقول «أم علي»: «بعد تفكير، قررت استدانة بعض الأموال من أقاربي في اللاذقية كي افتتح مطعماً صغيراً أديره، وبدأت الأمور تتحسَّن، وكان المرتادون إلى المطعم يزدادون بشكل جيد، وتمكّنت خلال فترة قصيرة من إيفاء الديون».
«أم علي» التي كانت تجد نفسها صاحبة مشروع ناجح مقارنةً بنساء المنطقة من جيلها اللواتي يمارسن مهناً محددة، كالحياكة أو ربما الجلوس في محلّ صغير للسمانة في الحارات الصغيرة، بدأت تلاحظ أنها اختارت مهنةً تعتبر غير مسموح بممارستها من قبل النساء في مدينة صغيرة مثل عامودا، لكنها أرادت الاستمرار في العمل لأنه كان يؤمّن لها ما يمكّنها من مواجهة الفقر والظروف.
مع مرور الأيام بدأت المضايقات من قبل بعض المرتادين للمطعم؛ تقول أم علي: «لم أكن أعلم أن الأمور سوف تصل إلى هذا الحدّ، كانوا يلمّحون لي بطلبات غريبة، أغلبها تتمحور حول الجنس»، خاصة وأنها كانت تنام في غرفةٍ صغيرة ضمن المطعم مع ابنتها لتوفير ثمن أجار المنزل.
حدث ما لم يكن في حسبان «أم علي»، حيث استدعتها قوات «الأسايش» للاستفسار عن سبب قدومها إلى المدينة، لتكتشف بعدها أن أحداً ما قام بإبلاغ السلطات الأمنية في المدينة عن أمور متعلقة بترويج المخدرات والدعارة. تقول أم علي: «وجّهت لي تهم أنا بريئة منها، إلّا أن السلطات تداركت الأمر وفضّلت أن أغلق المحل وأعمل في مهنة أخرى غير المطاعم».
في هذا التحقيق لمجلة شار، حاولنا استطلاع آراء بعض الأشخاص في المناطق الكردية حول بعض المهن التي ما يزال العمل فيها من نصيب الرجال، ولم تخض النساء غمار التجربة فيها لخشيتهن من ما يعتبر تجاوزاً للعادات والتقاليد أو المضايقات التي يمكن أن تواجههن في بعض المهن.
تقول داليا (الاسم مستعار) من القامشلي: «إنه لا مشكلة في امتهان المرأة لمهن معينة هي حكرٌ على الرجال، كمهنة صيانة الموبايلات والكمبيوترات؛ وعلى الرغم من أن النساء يستطعن القيام بهكذا مهن، إلا أن مجتمعاتنا ظلت بسبب عدم وعيها تدرج عمل المرأة في هذه المهن ضمن دائرة مخالفة العادات والتقاليد».
كما تضيف داليا «المفارقة في هذا الموضوع، أن الرجل يستطيع العمل كحلّاق للسيدات – تلك مهنة رائجة جداً في مناطقنا وخاصة في مدينة القامشلي – ويحقّ له تسريح شعر السيدات على ذوقه!».
أما إحدى الإعلاميات التي (لم تشأ الكشف عن اسمها)، فقالت: «مع بداية ظهور مؤسسات الإعلام في منطقتنا، كنت أودّ العمل كمذيعة، إلّا أنني جوبهت برفض شديد من قبل عائلتي، وكان الحجج تدور حول كلام الناس وما الذي سيقولونه عنّي. أعني هنا الرجوع إلى مسألة السمعة السيئة والسمعة الحَسنة ودورها في زواج الفتاة؛ لكن ومع مرور الأيام، تمكّنت من العمل في الإعلام».
وتبيّن هذه الإعلامية أنها لا تزال تعاني من كلام المجتمع المحيط في بعض الأحيان. ولعلّ التطوّر في قبول عمل الفتيات في هكذا مهن ضمن مناطقنا يحتاج إلى فترات طويلة حتّى يتم التيقّن التام بأن النساء يستطعن مزاولة هذه المهن. وتتابع «لا أعلم من أين أتى الاعتقاد بضرورة تقسيم المهن». مستدركة: «أنا تّفق أن هناك مهناً لا تستطيع النساء مزاولتها بحكم البنية الجسدية، ولكن ثمة مهن لا تحتاج إلى قوة بدنية وهي ممنوعة على النساء».
بينما يعتقد مسعود أومري، صحفي من القامشلي أن السبب الرئيسي هو أن الفتاة ليس لديها مسؤوليات اقتصادية في مجتمعنا، ودخولها في مجال العمل الوظيفي جاء كثمرة تلقائية غير مقصودة لممارستها حق التعلّم، وليس كنتيجة لجهود استراتيجية وخطط للحصول على عمل. ويضيف «إن قبول الفتاة في العمل ظاهرة حديثة تنمو بإطراد مع انحلال وضعف بعض العادات والتقاليد، وبالتالي نستطيع أن نتنبّئ بأن الفتاة ستدخل في مجالات اقتصادية جديدة كالمهن الحرة مثل الحلاقة الرجالية والمشاريع الصغيرة في السنوات القادمة». إلى جانب ذلك ينبغي أن ندرك أنّ بعض المهن لا تستهوي الفتيات مثل «الميكانيك وقيادة سيارات الأجرة وصيانة الأدوات الكهربائية». فلم يألف المجتمع وجود الفتيات في هذه المهن. ويوضّح مسعود أن «ما لا يألفه المجتمع، يصبح معياراً للجمال والأخلاق في بعض الأحيان. فالمألوف جميل وخلقي، وغير المألوف قبيح وغير خلقي».
يجمع كل من استطلعنا آرائهم حول المهن التي تخشى النساء العمل فيها أو التي يمنعن بطريقة غير مباشرة من العمل فيها، أن العادات والتقاليد تقف في طريق انخراط النساء فيها. مع أنها تناسب إمكانياتها، وهذا ما ذهب إليه فتاح عيسى، من كوباني والذي يختصر المشكلة بقوله: «السبب الحقيقي هو عدم تشجيع الأسر لبناتهن كي تزاولنَ هذه المهن. كما أن مزاولتها تحتاج إلى امرأة جريئة، تغامر في العمل الذي سيتسبّب لها بمشاكل في البداية بدون شك، ولكن مع مرور الأيام ستشجّع غيرها من النساء للعمل». ويتابع «عموماً، النساء يحبذن العمل في مجالات لا تتطلب ساعات عمل كثيرة في منطقتنا، والمهن المذكورة تحتاج إلى ساعات عمل كثيرة.»
هناك من يعتقد أن الحديث عن هذه المسألة يختلف من مجتمع لآخر تبعاً لماهية العادات والتقاليد، وبنية تلك المجتمعات بما تحتويه من اختلاف في طريقة التفكير وتناول المسائل الخاصة بعمل المرأة، وكيفية تلقّف المحيط الاجتماعي لحالات تبدو طارئة أو جديدة؛ الأمر الذي يؤدّي إلى تصادم بين ما هو معتاد ثقافياً، وبين ما هو جديد، كما تقول المذيعة في إذاعة «آرتا إف إم»، أفين شيخموس: «المرأة أمام امتحان، يبدو للوهلة الأولى أنه من الصعب تجاوزه، إذا ما فكّرت بامتهان حرفة ما، خارجة عن نطاق المهن التي تقوم بها النساء في محيطها، لأنها ستقوم بعملية تحليل وتركيب، لما عليه المجتمع والمحيط وتكوينه الثقافي. لذا أعتقد أن المشكلة ثقافية بالدرجة الأولى، وتجاوزها يأتي من حلٍّ ثقافي بالدرجة الأولى كذلك».