عن قيمة العمل المدني وأهدافه

تكمن قيمة العمل المدني في استجابته للضرورات وتنحيته للمسائل الإشكالية والخلافية لصالح تهيئة الجو اللازم للإنتاج والابتكار والتواصل الفعال، فكثيراً ما تتشكل في ظل الحرب ظروف تعصف بكل الآمال والتوقعات الإيجابية وتنسف دوافع العمل، الذي هو بالأساس هش ومتواضع ويتطلب دعماً ومواكبة كبيرين، وهذا ما يوجب البحث عن البدائل والحلول وطرق ترتيبها وإدراجها في سلم الأولويات ليغدو العمل ذو صبغة مؤسساتية لا تتحكم فيه الأهواء والأمزجة وسطوة الأفراد.
ناشطو المجتمع المدني والمنظمات القائمة مطالبون بتدارك الوقت والموارد وتسخيرها في تسريع عملية التنمية لتدارك الفوات القائم، وتوفير فرص العمل للشباب، والعمل على سد النقص في الخدمات الذي يرافق ويعقب الحروب والنكبات. مع أن البحث عن البدائل يبقى بحد ذاته تحدياً كبيراً وقلما يعثر الناشط المتفاني عن بدائل ووصفات ممتازة أو حلول مبتكرة تسهم في إنعاش الناس وتخليصهم من بعض أوجه المعاناة، غير أنه معني بإيجادها والسعي لتوفيرها، فالدور الوظيفي لمنظمات المجتمع المدني موضوع على المحك، وللناس كل الحق في انتظاراتهم وتوقعاتهم، وهنالك جزء كبير من الانتقادات الموجهة للمنظمات تصب في خدمة إغناء العمل المدني وتفعيله والارتقاء به.
ينبغي أن يأتي تطوير مساحات العمل المدني ضمن سياق رؤية واستراتيجية للمنظمات والناشطين لبناء مرتكزات فعالة ذات حضور وديمومة، لا أن ينحصر العمل في هوامش وظروف خاصة أو بروتوكولية، فالحاجة إلى مجتمع مدني فعال توازي الحاجة إلى الحكومات والأحزاب والمؤسسات الخدمية، وليس المجتمع المدني، بما يتضمنه من فعاليات وأنشطة، بأقل من أي محور من محاور العمل العام، وهو متواضع وهش حالياً كونه كان محارباً في سوريا أكثر من أي وجه آخر من أوجه الشأن العام، وما زالت القوى السياسية والعسكرية تحاول التعاطي معه وتسخيره لأهداف تتعارض مع قيمه ومحتواه. وانطلاقاً من الحاجة لتغيير كل الظروف والمعطيات المرافقة، يتوجب على العاملين في هذا الحقل تفعيل المراجعات النقدية لعملهم، وتلمس آراء الجمهور والنخب، وإن كانت في بعض الأحيان حادة ومباشرة.
هنالك حاجة ماسة لأن تقترن كل المشاريع نظرية الطابع بأنشطة عملية تكسب العمل حضوراً وموثوقية، وأن ينعكس ذلك على حياة فئة من الناس، أو أن تقترن تلك الأنشطة بإصدارات ورقية أو الكترونية محكمة تحدث إضافات في النتاج الفكري أو الثقافي، وكل جهد في هذا الإطار هو خطوة مهمة وتحريك للركود الفكري والثقافي وتوثيق لمراحل تطور العمل، مما يسهم في إزالة الصورة النمطية عن المنظمات والناشطين المدنيين، وهذا بدوره يحتاج إلى تفان ومواصلة للعمل وتشبيك حقيقي وتبادل للخبرات والتجارب وتقديم نماذج مختلفة عن السائد. بمعنى، أن ترتفع مؤشرات الإنتاج على جميع الصعد بما يحقق تأثيراً مباشراً على حياة الناس.
في هذا الإصدار الجديد من مجلة شار، وبعد انقطاع عن الصدور، ركز فريق التحرير جهوده على محاور عدة يرتبط بعضها بمشروع (متشاركون)، الذي هو أحد مشاريع منظمة شار للتنمية، والهادف إلى دعم المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمرأة. كما تم تسليط الضوء على موضوع النازحين ودمجهم مجتمعياً، وكذلك الموضوع الذي طالما ركزت عليه مجلة شار، وهو التعايش السلمي وردم الفجوة بين المكونات، بالإضافة إلى مقالات وتقارير وقصص خبرية وتحقيقات عديدة ومتنوعة المحاور ننتظر من قراء شار التفاعل معها وتزويدنا بانطباعاتهم عنها.
ستبقى مجلة شار منبراً للكتاب الشباب، وإحدى الإصدارات التي تركز على أنشطة المجتمع المدني وثقافته. وتتقبل هيئة التحرير كل الانتقادات، وهي مستعدة لعقد جلسات حوار مع كل المهتمين والنخب، بما يحقق تواصلاً فعالاً ويخلق بيئة لنشر ثقافة الحوار والتعددية.