قرية تل طال… نجمة الخابور

وسط بساتين الأشجار المثمرة والخضروات، تطل قرية تل طال التي تسمى أيضاً من سكانها بـ (طلنا يا)، أي تل الندى، والتي بنيت عام 1936 على الضفة الجنوبية لنهر الخابور غربي الحسكة.
شُيّدت القرية حينذاك على أيدي قاطنيها الآشوريين الذين نزحوا من شمالي العراق إثر حربٍ هددت وجودهم حينها، ولُقبت القرية في الوسط الآشوري بنجمة الخابور وذلك لجمال مناظر القرية وقربها من نهر الخابور حيث الشلالات والنواعير.
تقع قرية تل طال غرب مدينة الحسكة بنحو 15 كم، وسط سلسلة مؤلفة من 34 قرية آشورية، بُنيت جميعها على ضفتي نهر الخابور الشمالية والجنوبية.
عدد منازل قرية تل طال يبلغ 65 منزلاً، شُيدت معظمها وفقاً للطابع العمراني الآشوري القديم، لتعطي بذلك منظراً جمالياً، واعتمد سكانها على الزراعة بالدرجة الأولى، كما عمل البعض منهم في مجال التوظيف والخدمات في مدينتي الحسكة وقامشلو، بينما اختار قسم آخر من أهالي القرية السفر إلى الدول الأوروبية قبل سنوات.
اهتم سكان قرية تل طال بزراعة الأشجار المثمرة كالعنب والتفاح، واهتموا أيضاً بزراعة الخضروات. إلا أن شح مياه نهر الخابور في السنوات الأخيرة بدّل من اهتمامات سكان القرية الذي اتجهوا من زراعة الأشجار والخضروات إلى زراعة القمح والشعير لاعتماد هذين المحصوليين بالدرجة الأولى على مياه الأمطار والسيول التي تغذي نهر الخابور شتاءً، وتبلغ مساحة أراضي القرية القابلة للزراعة أربعة آلاف دونماً.
التكاتف الاجتماعي في قرية تل طال
التكاتف الاجتماعي للقرية يتبدى في من خلال جمعية (أخوية القديس مار أوديشو)، التي أسسها أكثر من 40 شاباً وشابة من سكان القرية من مختلف الأعمال والشرائح لتقديم خدماتهم للقرية من أعمال التنظيف وتنظيم الرحلات والتحضير لمراسم الأعياد.
الأعياد الدينية في قرية تل طال
الكنيسة الموجودة في قرية تل طال تعتبر من أشهر كنائس قرى ضفتي نهر الخابور، والتي تعود تسميتها إلى «القديس مار أوديشو». وكانت مزاراً يتوافد إليه المؤمنون المسيحيون والزائرون في يوم تذكار «القديس مار أوديشو» من جميع أنحاء الجزيرة، ومن المحافظات السورية الأخرى، إضافة إلى بعض الزوار من دول الجوار، إذ كانت أعداد كبيرة من المؤمنين المسيحيين المغتربين ومن مختلف الطوائف والشرائح المسيحية وشرائح يخصصون أيام زياراتهم إلى سوريا تزامناً مع يوم عيد «القديس مار أوديشو» للمشاركة في الاحتفال ومراسيم القداس.
كنيسة «القديس مار أوديشو»، بُنيت في العام 1936 من قبل أهالي القرية خلال أيامهم الأولى للسكن فيها، ومن ثم أعيد ترميم الكنيسة على مرحلتين، الأولى كانت ما بين عام 1960 ولغاية العام 1965. أما المرحلة الثانية، فكانت بتصميم صالة كبيرة داخل الكنيسة لاستقبال كافة أهالي القرية في المناسبات والأعياد الدينية واعتبارها مكاناً للعزاء، إذ تتسع الصالة لألف شخص. كما رمُمت بعد ذلك في العام 1991 وفقاً للطراز العمراني الحديث.
اشتهرت قرية تل طال بتذكار شفيعها «القديس مار أوديشو»، والذي يقام في السادس من آب (أغسطيس) من كل عام، إضافة إلى تذكار «القديس مار أوديشو»، هناك تذكاران آخران، يداوم أهل القرية على الاحتفال بهما كل عام وهما، تذكار «القديس مار جرجس» و «عيد القديسين».
الهجوم على قرية تل طال
في أواخر شباط من العام 2015 هاجم تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» القرى الآشورية، ما تسبب بنزوح 1300 عائلة من جميع القرى الآشورية. كما احتجز مسلحو التنظيم نحو 300 شخص من تلك القرى، إضافة إلى مقتل عدد من سكان تلك القرى. أما خسائر قرية تل طال، فيقول مختار القرية، نهاد خوشابا: «عندما هاجمنا تنظيم داعش هربنا بواسطة السفينة وعبرنا إلى الضفة الشمالية لنهر الخابور، وفي ذلك اليوم فقدنا أحد الأشخاص باسم (وردة حدو) وبحثنا عنه كثيراً، لكن حتى الآن لا أثر له».
عاشت تلك القرى خلال الأشهر الثلاثة التي سيطر فيها تنظيم «داعش» على المنطقة في صمت مدقع وتوقف خلالها قرع أجراس الكنائس، وتحولت تلك القرى إلى أشبه بمقابر ممتدة على طول ضفتي الخابور، وهكذا استمر الحال حتى خروج مسلحي التنظيم من تلك القرى، الذين تركوا خلفهم العديد من الكنائس المدمرة ومن بينها كنيسة «القديس مار أدويشو» في قرية تل طال.
البحث عن الحياة مجدداً في تل طال
بعد مضي ثلاثة أشهر، وضعت حرب ضفتي الخابور أوزارها، فعادت مجموعة مؤلفة من 12 شخصاً من سكان القرية إلى منازلهم كأول مجموعة عائدة من الشعب الآشوري إلى قرى الخابور. وبدأت المجموعة بترميم المنازل المتضررة من الحرب وتنظيف محيط كنيسة «القديس مار أوديشو» المدمرة، وإزالة آثار الركام من محيطها بعد أن دمرها مسلحو «داعش».
وفي هذا يقول عبد الأحد توماس، أحد العائدين إلى القرية: «بعد الهجوم نزحت إلى مدينة الحسكة، أما الآن فعدت مع أكثر من عشرة أشخاص إلى القرية كي أزرع المزيد من الأشجار المثمرة».
تقول زوجة المختار نهاد خوشابا عن عودتها: «أنا خريجة أدب إنكليزي، وكنت أقيم حتى وقت قريب في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنني اخترت العيش في قريتي تل طال كي أجدد فيها الحياة».
ثم بدأت المجموعة الصغيرة بشراء الأغنام وغرس الأشجار وزرع الأرض بالقمح والشعير، وقرع الجرس (الجزء الوحيد المتبقي من الكنسية المدمرة)، بحثاً عن نبض الحياة مجدداً في قريتهم تل طال. كما جهزت المجموعة محركين لتوليد الكهرباء مع تنظيف صالة الأفراح التي تحمل اسم القرية للاحتفال برأس السنة الآشورية (عيد آكيتو) الذي يصادف الأول من نيسان من كل عام.
اجتمع صباح الأول من نيسان من العام 2016، أهالي قرية تل طال الذين نزحوا من قريتهم إلى المدن الأخرى في الجزيرة للاحتفال بعيد رأس السنة الآشورية بجانب كنيستهم المدمرة كنيسة «القديس مار أوديشو».
يقول يوسف عنتر يوسف، عن سبب اختيارهم للاحتفال بجانب الكنيسة في قرية تل طال: «اخترنا قرية تل طال كمكان للاحتفال بعيد الآكيتو، وهو يوم تجدد الحياة، كي نجدد الحياة مرة أخرى في قريتنا أيضاً، ونظهر للعالم أجمع بأن العنف غير قادر على فك ارتباطنا بقرانا وتركنا لمعتقداتنا».
بعد أن شهدت تلك القرى نزوحاً جماعياً إثر هجوم مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية علليها، غاب رونق قرية تل طال حينها، إلا أن سكانها كانوا السباقين في العودة إليها من بين سكان قرى الضفة الجنوبية لنهر الخابور، ليستبشروا بنبض الحياة من جديد على ضفتي النهر القديم.