نساء في زمن الحرب

يقع مخبز التوفيق في حارة صغيرة داخل حي الحلكو في المنطقة الجنوبية لمدينة قامشلو، إلا أن الأهالي يصرون على تسميته بمخبز فهيمة، نسبة إلى زوجة الخباز ريزان توفيق، التي تعمل إلى جانب زوجها لتأمين متطلبات العائلة التي تتألف من 6 أفراد. شابان في العشرينات من عمرههما يعملان في المنطقة الصناعية للمدينة وآخر مع ابنة لم ينقطعا عن دراستهما بعد كما أخويهما.
مع بداية الأزمة في سوريا، ضعفت الإمكانات المادية لمعظم العائلات في الجزيرة السورية، فمنهم من التجأ إلى دول الجوار كتركيا وإقليم كردستان العراق، ومنهم من هاجر إلى الدول الأوروبية. غير أن بعض العائلات فضلت البقاء في مكانها أو لم يكن بإمكانها تغطية مصاريف السفر إلى الخارج، لذا اضطرت لمجابهة ظروف الحياة وتحمل متاعبها، والعمل بجهد لتأمين مصاريف الحياة الباهظة. وكان هذا الأمر سبباً لتبرهن فيه النساء على قدرتهن على تدبير أمور عائلاتهن إلى جانب أو بمعزل عن الرجل.
فهيمة، 42 عاماً، تسعى لأن تؤمن لأولادها كل ما يحتاجونه كي لا يشعروا بالنقص في مجتمعهم، تساعد زوجها في صنع الخبز، تستيقظ مع بزوغ الفجر لتحضير عجينة الخبز لزوجها الذي يعمل على تحمية بيت النار ريثما تحضّر فهيمة العجين. ثم يتساعد الزوجان في ترقيق كتل العجين وإرسالها لبيت النار.
تقول فهيمة ابنة قرية شورا عمرى: «انتقلت للعيش مع زوجي في مدينة قامشلو ورأيت أنه من واجبي مساعدته في تأمين لقمة العيش لأولادنا نظراً للظروف المادية السيئة التي نمر بها، فاخترنا هذه المهنة كي يكون عملنا في بيتنا وقريباً منا، حتى لا نضطر للعمل لدى أناس آخرين».
قليلون من سكان الحي يراودون هذا المخبز لأسباب عدة، منها أنه يقع في مكان ضيق ومن الصعوبة لغريب عن الحي العثور على مكانه، ولضيق المحل وقلة إنتاجه بحسب المواد المتوفرة وحاجة الزبائن الذين في غالبيتهم يكونون قلة قليلة.
مع بداية الأحداث في سوريا وتمكن الكرد من إدارة مناطقهم في الشمال السوري والتي تتمثل بالإدارة الذاتية الديمقراطية في كل من قامشلو وكوباني وعفرين، انتشرت مفاهيم وأفكار تتعلق بحرية المرأة وقدرتها على العمل كما الرجل ومساواتها به. ومنحت المرأة امتيازات عديدة وبخاصة بعد مشاركتها في الحرب إلى جانب وحدات حماية الشعب والتي تتمثل بوحدات حماية المرأة ضد اعتى تنظيم إرهابي أي تنظيم «داعش».
انخرطت المرأة كغيرها من فئات المجتمع في الحراك السياسي وفي منظمات المجتمع المدني، وبالرغم من الأوضاع الأمنية السيئة وتراجع الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة استمرت الكثير من النساء في ممارسة نشاطهن، وأثر ذلك بشكل إيجابي على غالبية نساء المجتمع بحيث كان ذلك دافعاً لهن للانخراط في مجالات الحياة العملية.
كما وعملت المرأة إلى جانب الرجل في مجابهة الوضع المتأزم في ظل الحصار الخانق الذي تعيشه المنطقة من كافة الجهات، ضاربة بعرض الحائط كل ما اعتبارات المجتمع حول حصر عمل المرأة داخل المنزل وعدم تقبل سواه من الأعمال.
وما برز مؤخراً من مفاهيم عن تشجيع المرأة على العمل ومفاهيم حماية حقوق المرأة والوقوف إلى جانب الزوجة، زاد هذا الشي من عطاء فهيمة لتصبح أكثر ثقة بنفسها من ذي قبل، لأنها علمت أنها تسير في الاتجاه الصحيح وتضيف: «لم أكن أرى أنه من المعيب أن أعمل ومنذ أن تزوجنا، دخلت في العمل مع زوجي لتأمين حاجات أطفالنا وتسيير أمور حياتنا سوية». وأردفت قائلة: «أنا سعيدة لانتشار مثل هذه المفاهيم لأنني أراها تعيد لي الثقة بنفسي، بالرغم من وجود بعض المنغصات فيها، فغالبية المجتمع لم يتوصلوا بعد إلى هذه الحقيقة في إمكانات المرأة وقدرتها على تولي وتسيير مهام الرجل».
تسعى النساء بجهد كبير لإثبات أنهن لسن أقل شأناً من الرجل في تحمل أعباء العمل في مختلف مجالات الحياة، وقد استطاعت المرأة في المدن الكردية تجاوز هذا الحاجز إلى حد ما. فتروي فهيمة بأنها كانت فيما مضى، أي قبل زواجها، تعمل لمساعدة أهلها في القرية، فهي لم تكمل تعليمها، وأجبرت على العمل لذا فهي لم تكن تولي اهتماماً بما يتداوله المجتمع من حولها، وترى بأن فكرة عمل المرأة ليست جديدة عليها.
العادات والتقاليد الاجتماعية كانت تُلزم المرأة على العمل ضمن حدود بيتها فقط، كذلك مفاهيم الدين الخاطئة، لذا اختارت فهيمة أن تعمل مع زوجها لكسر هذا التقليد وتشجيع ابنتها على التعلم وتجاوز هذه الحواجز.
تقول فهيمة: «الشيء الأكبر الذي يعيب هو أن لا يكون في قدرتي تأمين ما يحتاجه أطفالي، وأن أدع زوجي لوحده في هذه المعركة مع الحياة وفي هذه الظروف بالذات التي نمر بها منذ أكثر من ست سنوات»، مضيفة «زوجي يحتاج للمساعدة في تقديم مستلزمات ومصاريف العائلة وأنا أرى أنه من واجبي أن أساعده في هذه المحنة والأزمة التي نمر بها، إن لم نعمل بهذه الطريقة فإننا لن نعيش».
منزلهم صغير جداً، ومخبزهم الذي يقع في زاوية منه من الصعب أن يجتمع فيه أكثر من أربعة زبائن. وتطمح هذه العائلة لأن تحصل في المستقبل على مخبز أكثر سعة، ويقع على طريق عام يشهد حركة كبيرة أملاً في زيادة الربح، ولكن ظروفهم المادية لا تسعفهم في تحقيق ذلك.
ريزان الخباز زوج فهيمة يقول: «مخبزنا ضيق ويقع ضمن حي يقطنه قلة من السكان، وغالبيتهم من ذوي الدخل المحدود، نتدبر أمورنا بحسب حاجة أهالي حينا من الخبز ونشكر الله على كل حال».
إضافة إلى ذلك هناك الكثير من الصعوبات التي تقف عائقاً أمام عمل هذه العائلة، فغالبية المواد الأساسية التي تدخل في صنع الخبز يصعب الحصول عليها في الكثير من الأوقات، كانقطاع المازوت وفقدان خميرة العجين وغلاء مادة الطحين.
يصف ريزان الأمر بالقول: «من الصعب الحصول على المازوت خاصة في فصل الشتاء، كما أننا نتوقف عن عملنا إذا لم نحصل على المكونات الأساسية التي تدخل في صنع الخبز مثل خميرة العجين والطحين الذي يكون مفقوداً أو غالياً في أغلب الأحيان».
يتداول أهالي الحي ومن باب الفكاهة، أن فهيمة ستستولي على المخبز من زوجها يوماً ما ويرددون ذلك على مسامعها مراراً، بينما ترد فهيمة بخجل شديد: «لم أفكر في الأمر يوماً، لكنكم تذكرونني بأمور لا تخطر في بالي»، ثم تضحك معهم.