جذور العنف في المجتمعات السورية

ليس العنف المندلع في سوريا منذ سبعة أعوام غريباً عن السوريين أو عن أي شعب آخر. وفي الواقع، فإن “الحالة الطبيعية” البشرية منذ نشأتها كانت العنف والحروب، فيما كانت فترات السلم فواصل قصيرة بينها، رغم أن تلك الفواصل باتت أطول بعد الحرب العالمية الثانية. وكان العنف الذي ينتج معظم الجرائم هو الدافع لوضع أولى القوانين في التاريخ: “العين بالعين والسن بالسن”.
ورغم تفشي العنف في جميع المجتمعات تقريباً حول العالم، بما تحمله هذه الممارسة من انفلات للقوة الغرائزية بالتزامن مع انخفاض في الخطاب العقلاني، داخلياً وخارجياً، إلا أنها ليست ممارسة عشوائية بالمطلق، بل تحتاج من جهة إلى مبررات يسوقها ممارس العنف لنفسه أولاً قبل الآخرين، ومن جهة أخرى إلى دافع قوي لممارسته.
يحتاج ممارسو العنف أولا إلى الاقتناع بأن فعلهم ليس شريراً، فقلة من الناس هم ممن يستمرئون فعل الشر في سبيل مصالحهم، بينما تحتاج الغالبية إلى إيجاد قيمة أخلاقية إيجابية وربطها مع هذه الممارسة، أو على الأقل جعلها “عادية”. الإيديولوجيات تقدم هذه القيمة وتزيل العوائق، وهي ليست بحاجة للقول لأتباعها “اقتل” بشكل مباشر، لأنها إن فعلت ذلك إنما ستظهر نفسها وكأنها “تعاليم شيطانية” ينفر منها معظم الناس، ومن بينهم معظم ممارسي القتل أيضاً (كالجنود مثلا).
ولا تحتاج الإيديولوجيات أيضاً لإعطاء مبررات مباشرة للقتل والعنف عموماً، إنما يمكنها الاكتفاء بإخراج الضحايا من إطار الجماعة بوصفهم تهديداً يجب تحييده، أو إخراجهم من إطار الإنسانية كاملة لجعل العنف ضدهم مسألة “عادية”، وهي تعتمد في ذلك على “مشروعية” العنف ضد الآخر المستمدة بدورها من التاريخ الإنساني منذ بداياته وحتى يومنا هذا، ورغم تغير تعريف “الآخر” مع الزمن، إلا أن مشروعية العنف ضده لم تتغير بشكل عام.
فمثلاً، نجد أن العنف الممارس بين أفراد الجماعة الواحدة منظم بقوانين صارمة تجعل منه عنفاً مرفوضاً عموماً ومحصوراً بحالات قليلة نسبياً، وينسحب ذات الرفض على عنف الجماعة ضد أفرادها، ولكن فقط إن لم يترافق مع إخراج هؤلاء الأفراد (مجرمون، ثوار، خونة، كفار، زنادقة… الخ) من الجماعة، وهي المبررات التي ساقتها السلطات في النظم القانونية البدائية، وإلى حد ما، الحديثة منها أيضاً، لتبرير فظائع مثل ملايين ضحايا معسكرات الغولاك والثورة الثقافية الصينية ونظام بولبوت، واضطهاد العلماء المسيحيين والمسلمين وغيرها الكثير.
هذا على العكس من العنف بين الجماعات الذي لم يتوقف منذ عصور ما قبل التاريخ، وهو مستمر إلى هذا اليوم مع غياب القوانين الملزمة والناظمة للعلاقات بينها، وهو غياب لا تسده بعض القوانين الدولية التي تفتقر لجانب الإلزام فيها. أضف إليها حتى العنف ضد الأجناس الأخرى غير البشرية، وهو، وإن كان قد يتخذ أشكالاً معتادة اليوم، كذبح الحيوانات للطعام أو صيدها للتسلية، إلا أنه اتخذ أشكالاً أكثر صدماً في أوقات سابقة، كالعنف الممارس على السود واستعبادهم المديد، أو الهولوكوست اليهودي، عبر إخراجهما لهاتين الفئتين من الانتماء الإنساني.
ولكن بموازاة العنف المبرر إيديولوجياً، ثمة عنف يجد تبريره في أكثر الغرائز أصلية لدى الإنسان، وهي غريزة البقاء، وهو مبرر أخذه معظم المشرعين في العالم بعين الاعتبار ووضع في القوانين تحت إطار الدفاع عن النفس، والذي اعتبرت ممارسة العنف تحته حقاً، بل واجباً قانونياً وأخلاقياً في الكثير من الحالات، مثل الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر عام 1789م والذي يقر صراحة بـ “الحق في مقاومة الطغيان”.
إلى جانب المبررات، يحتاج العنف أن يكون إما الخيار الوحيد أو الخيار الأسهل لحل صراع ما، ما لم يكن الانسحاب الطوعي من الصراع مطروحاً. ففي ميدان تيانانمين ببكين عام 1989، اختارت الحكومة الصينية تجاهل الإصلاحات التي طالب بها المتظاهرون وقررت أن تنفيذ تلك المطالب يهدد النظام السياسي في الصين، أي أنها “مكلفة جداً”، وبذلك لجأت للعنف المفرط بوصفه أقل تكلفة وأسهل تطبيقاً من الإصلاحات. في حين أن المتظاهرين الصينيين اختاروا الانسحاب من الصراع وإنهاء المظاهرات بدل اللجوء إلى العنف المضاد.
من الجانب الآخر أيضاً، تبدو الإجابة على تساؤل لماذا لم تستخدم الحكومة الصينية ذات العنف ضد تايوان وهونغ كونغ مثلاً؟ أمراً سهلاً، إذ اختارت الانسحاب من الصراع عملياً في حالة تايوان، والوصول إلى اتفاق بعد وقت طويل في حالة هونغ كونغ، وكلتا الحالتين كانتا فقط لأن قرار اللجوء للعنف لم يكن سهلاً بالنسبة للحكومة الصينية، وهذا بدوره فقط لأن الطرف الآخر امتلك قوة (لا يهم إن كانت أصلية أو بالوكالة) تجعل من اختيار العنف بالنسبة للطرفين أمراً صعباً. وهذا ما يسمى بالردع الذي يعتبر اليوم هو الوظيفة الأصلية للترسانات النووية في العالم.
في المقابل، ما فعله غاندي الهندي بثورته السلمية ضد الاحتلال البريطاني كان أن طرح خيارات أخرى غير العنف أمام أتباعه، وبعكس ما جرت العادة على قوله من “رحمة” المحتل الإنكليزي بالهنود، فإن المتظاهرين الهنود واجهوا عنفاً، مفرطاً في بعض الحالات، من قوات الاحتلال، أقلها كان في المظاهرات الشهيرة أمام مصنع الملح حيث تعرض المتظاهرون للضرب المبرح في كل مرة كانت مجموعة منهم تذهب لنقطة التظاهر، ليجري تبديلها بعد ذلك وتعالج جروحهم ويعودوا مرة أخرى…
كل مقومات العنف تلك كانت موجودة في سوريا مسبقاً، أو جرى تشكيل بعضها لاحقاً، فمن جهة لا يعدم السوريون المبررات لممارسة العنف، سواء الإيديولوجية منها التي حدد جماعاتها وأخرجت كل الآخرين منها، كادعاء كل من النظام والمعارضة بأن كل واحد منهم فقط هو السوري فيما الآخرون خونة وعملاء، أو ادعاء الإسلاميين أنهم فقط مسلمون فيما باقي الطوائف والملل هم مرتدون أو كفار ومشركون، والتي وصلت أيضاً بين الطرفين إلى إخراج الآخر من الانتماء الإنساني كاستخدام مفردات مثل “الخنازير” في الخطاب الرسمي تمهيداً وتشجيعاً للقتل والاستعباد.
كما لم يعدم السوريون من مبرر حق الدفاع عن النفس ومقاومة الطغيان أيضاً، وإن كان نطاق هذا الحق يشمل النضال اللاعنفي أيضاً، إلا أنه لم يكن متوفراً عملياً بين السوريين لغياب تلك الثقافة بينهم نتيجة عدة أسباب منها غياب “غانديهم” الذي يستطيع إقناعهم بجدوى التظاهر السلمي، بدلاً من القيادات السياسية في المعارضة التي أوهمتهم بقرب التدخل الخارجي وضرورة الانتقال إلى التسليح.
إلى جانب ذلك، فقد كان من الصعب على السوريين التوصل لقناعة بقدرة، ولا برغبة، المجتمع الدولي، وحتى المقرب من الأسد، من إجباره على إجراء إصلاحات، ما وضعهم أمام خيارين: إما الانسحاب من الصراع والتخلي عن معارضة النظام، أو مواجهة عنفه بوسائل لا يعرفون غيرها: عنف مضاد ممكن بالأخذ في الاعتبار الإمكانيات العسكرية والتقنية الفقيرة نسبياً للنظام، واختيار تجربة حظهم في الحرب التي تقول عنها حنا أرندت: “إن العنف يحمل في ذاته عنصراً إضافياً تعسفياً، والحق أن الحظ، سواء أكان سيئاً أو تعيساً، لا يمكنه أن يلعب دوراً حاسماً بالنسبة للبشر بأكثر مما يفعل في ميدان القتال”.