العنف الصامت

ترجمة عن الفارسية : ماهر جمو

هل تعلمون؟

العنف ليس دائماً عيناً مزرقة وأسناناً مهشّمة وأنفاً دامياً.

العنف هو الإساءة والإذلال، وأحياناً يكون نظرةً؛ نظرة رجلٍ إلى ياقة متدليةٍ لامرأةٍ منحنيةٍ تضيّف الشاي.
نظرة أخٍ إلى أخته، وقد ضحكت بصوتٍ عالٍ في ضيافة أحدهم. نظرةٌ لا نراها، ولا نعرف عاقبتها عندما لا تكون عيوننا حاضرة.
خوفٌ جثم شيئاً فشيئاً، على مرّ الزمان، على روح المرأة.

العنفُ الصامت، العنف الحاصل دون احتكاكٍ جسدي
هو زوجٌ يفتح الباب، فترتبك الزوجة فجأةً، وتحزن، دون أن تعرف السبب، ويبدو عليها التوتّر، وكأنها لا تكون نفسها، وتخشى ألا تكون جيدة، وأنّ عليها أن تكون أنحف، أكثر سمنة، أكثر جمالاً، أكثر سعادة، أكثر ثقلاً، أكثر إثارةً، ربّة منزلٍ أفضل، وأكثر عقلاً واتزاناً.

العنف هو ما لا تكون عليه المرأة وتفكّر بأنّه ينبغي عليها أن تكون كذلك. العنف هو ذلك القناع الذي ترتديه المرأة كي لا تكون نفسها، حتى ترضي الرجل.

الرجل بإمكانه أن يسحق المرأة حتى بدون أن يلمسها، حتى دون أن يقصد سحقها؛ إنه ميراثٌ وصل للرجال من أسلاف أسلافهم.

العنف؛ الإساءة والإذلال
هو امتدادٌ للشتائم التي نطلقها على أم فلان وأخت فلان (مع الاعتذار) والتي نتفوّه بها بين بعضنا البعض على سبيل المزاح أو عندما نقولها للآخرين بشكلٍ جدي.

العنف؛ الإساءة والإذلال
هو امتدادٌ لنعت “مثل النساء”، أو “كنت تبكي مثل امرأة” هذه الكلمات التي يتعلّمها أطفالنا منذ نعومة أظفارهم.

العنف؛ الإساءة والإذلال
هو الدرجة التالية لسلمٍ درجته الأولى هي: “لا تصاحبي فلاناً من الناس ” لأنّ..

“لا ترتدي الثوب الفلاني لأنهّ”…

الـ “لأنّ”  التي يطلق عليها اسم “الحبّ”؛ الحبّ الذي يتحوّل إلى أداةٍ للتحكم، والذي تكون نتيجته نسوةٌ فاقداتٍ الثقة بالنفس، ضعيفات، حزينات، ذليلات، خائفات، تابعات، ومهدداتٍ بالتخلي عنهنّ، وربما بالضرب، ومعتقداتٍ بأنّ كلّ جراحهنّ هي بسبب الحبّ، ومقتنعاتٍ بمقولة إنّ الرجل العاشق يجرح، والجرح يلتئم ويتعافى في نهاية المطاف.

العنف هو امرأةٌ تتظاهر باللذة وسط أنفاس زوجها التي تفوح منها رائحة الكحول، معتقدةً أنّ هذه هي قواعد اللعبة.
العنف هو الإيذاء النفسي، واللفظي، والجسدي، والجنسي الصادر عن رجلٍ سكران، وكأنّ السكر عذرٌ مبرّرٌ لأكثر التصرفات غير القابلة للتبرير.

هل تعلمون؟

الضرب ليس أسوأ أنواع العنف ضد النساء. الكدمات تطيب، والكسور تنجبر، ولكن القوة، و النضارة، والثقة بالنفس، التي تُسلب من المرأة على مرّ الشهور والسنين،  لا تعودُ أبداً في بعض الأحيان.

العنف هو يدٌ أبٍ ثقيلةٌ، ترتفع لصفع وجه ابنته ذات التسعة أعوام، ولا تنزل أبداً.

العنف هو عجرفة أخٍ يمنع ولد الجيران البريء من النظر، ويحرم الأخت من حبّ الجيرة الطاهر.
العنف هو تجشؤات الزوج، عوض قوله (سلمت يداكِ)، لأجل طعامٍ شهيٍّ، بقيت الزوجة حبيسة المطبخ من الصباح حتى الظهر لتُعدّه.

العنف هو القانون غير العادل في حق وصاية الجدّ على الحفيد عند وفاة الأب، وتحوّله إلى الوصيّ الوحيد، دون أيّ اعتبارٍ للأم.

العنف هو حق الميراث الذي يُمنح لكِ بعد وفاة الأب، ويكون نصف ما يحصل عليه إخوتك، الذين يُشعرونك بعدم استحقاقك له، بذريعة أنّ معيل بيتك هو شخصٌ آخر.

العنف هو نحن النساء، عندما نقبل بكلّ هذه الأمور، دون أدنى اعتراض. ومن تنهض منّا  لتعترض، نهزأ منها ونطلق عليها أسوأ الألقاب.

العنف هو نحن أنفسنا.


تهمينة ميلاني: مخرجة سينمائية إيرانية وناشطة في مجال حقوق المرأة.