سوق الكتاب وكساد الثقافة

في إحصائية ذكرها الكاتب الألماني مارتين ماريا شفارتش وردت في مقال نشره معهد غوته على صفحته الالكترونية في آذار 2015 حول سوق الكتاب في بلده، يؤكد الكاتب فيها أن» 10000 كتاب يدخل سنويا إلى السوق الألمانية»
هذه العبارة دفعت كاتب هذا المقال إلى إحصاء لمطبوعات الكتب والمجلات في منطقة الجزيرة ليصل إلى نتيجة مفادها أن سوق الكتاب في المنطقة ورغم التحسن في المنتوج المحلي هو قطاع مهمل ومتراجع بجميع مراحله وقطاعاته، ابتداء بالنشر والتوزيع ووصولا إلى زبائنه..
فسوق الكتاب: هو كل إنتاج وصناعة للكتاب المحلي عبر( مؤسسات حكومية – دور نشر -مؤسسات ثقافية مستقلة- إصدارات الأحزاب السياسية – إصدارات المؤلفين الخاصة) إضافة إلى الكتاب المستورد و الذي يباع (أي الكتاب) بغض النظر عن مصادره الموصلة للأفراد عن طريق المعارض و متاجر الكتب إضافة أو عبر منافذ التصدير إلى أسواق الكتب الدولية.

ما الذي ننتجه وإلى أين يتجه سوق الكتاب ؟

في فترة النشر السوفيتي ظهر مصطلح «تعميم الكتاب» أي جعله سلعة شعبية متداولة بين مختلف طبقات الشعب، ورافق دعم الكتاب مادياً إعلان عن الكتب بأساليب عدة (مناقشات ومحاضرات عامة أو برامج تلفزيونية وإذاعة أو ترويج عبر الصحف تمحورت حول الكتب ومضامينها) ورغم أن التجربة الحالية لأكاديمية المجتمع الديمقراطي ودور النشر التابعة للإدارة الذاتية تشبه إلى حد ما فترة النشر السوفيتي إلا أن هنالك فروقات جوهرية أخرى بين التجربتين، فقد أصدرت دار شلير ŞILÊR وطبعت في وقت قياسي من سنة ٢٠١٧ وفي أقل من أربعة أشهر (من شهر نيسان إلى أوائل شهر آب) أكثر من ٤٠ كتاب (جلها كتب أدبية) باللغتين العربية والكردية رديئة الطباعة والإخراج وبسعر مدعوم، كما أن بعض من الهيئات والمؤسسات التابعة للإدارة الذاتية وبعض الأحزاب تصدر مجلاتها الخاصة (فصلية أو شهرية) منها ما يصدر بشكل منتظم، و أكثرها بوتيرة غير منتظمة، إضافة لرداءة طباعتها سواء أكانت من إنتاج المطابع أو من إنتاج الطابعات المكتبية.
سوق الكتاب الخاص متمثلا بدور النشر والمؤسسات الثقافية المدنية والطبعات الخاصة على نفقة الكتَّاب شهد سنة 2017 إنتاجا متميزاً يعد أفضل إنتاج للكتب في منطقة الجزيرة مقارنة مع السنوات الماضية، حيث قدر إنتاج مؤسسات مثل هنار HINAR و دار DAR من الكتب بحدود ٢٠ كتاب، و طبع اتحاد كتاب كردستان سوريا ١٠ كتب و العدد الأول من مجلته «القلم الحر»، كما أن مؤسسة سورمي أصدرت ثلاثة أعداد من مجلة سورمي SORMEY و كتابين للأطفال و دراسة عن الواقع الثقافي في الجزيرة و كوباني بين (٢٠١١ -٢٠١٦) بالشراكة مع مجلة «Rê»، و التي أصدرت بدورها عددين من مجلتها في سنة ٢٠١٧،كما أصدرت منظمة شار للتنمية عدد مجلة (شار) السابع ضمن نفس الفترة.
يصعب تحديد عدد الكتب المطبوعة على نفقة الكتّاب الخاصة بسبب غياب الدعاية الإعلانية ورداءة طباعة معظمها باستثناء قلة قليلة والتي تدفع القارئ إلى العدول عنها وبسبب قلة عدد نسخ الطبعة المنشورة من الكتاب، فقد طبع أحد الكتّاب كتاباً له في أواسط ٢٠١٧ وصلت عدد النسخ لطبعته الأولى الى ٣٠ نسخة فقط منسوخة على طابعة مكتبية.
مع تحسن كمية الإصدارات المحلية التي لا تزال تنتج بوتيرة ضعيفة ولا تلبي أذواق جميع القرّاء، يتّجه سوق الكتاب إلى النمو بوتيرة أفضل وعناية بالكتاب أكثر من ذي قبل، ولكن لا يزال التوزيع هو ما يشغل بال الناشرين بالدرجة الأولى سيما أن المنطقة تعيش حالة حرب وحصار تجعل من الكتاب المحلي أسير الحدود وغياب متاجر الكتب التي تحوي الكتاب المحلي.

الكتاب الكردي من رحلة العرقلة والحظر إلى عمليات التجميل.

عانى الكتاب الكردي في سوريا من حظر النشر قديماً عدا فترة الانتداب الفرنسي حيث كان مسموحاً آنذاك و بدأت عرقلة النشر والحظر عندما أصبحت سوريا دولة مستقلة حيث قدر (م.مالميسانيج ) في بحث أعدّه لصالح مؤسسة نيكست بيج سنة ٢٠٠٦ بعنوان (ماضي وحاضر نشر الكتب باللغة الكردية في سوريا) ترجمه عمر رسول لموقع مدارات كرد، أنّ الرقم الإجمالي للكتب المنشورة بالكردية التي تمكن من إيجادها هو 220 كتاباً حتى عام 2006، و أضاف:
«لقد وجدت عشرة كتب نشرت بشكل رسمي في سوريا، ومعظمها كانت إمّا كتباً للأطفال أو كتباً تحتوي نصوصاً فلكلورية وباللغتين الكردية مع ترجمتها العربية. ويقول الكتّاب الكرد أن كردياً كان يعمل في تلك الفترة في وزارة الإعلام (د. محمد عبدو النجاري-المترجم) وهو الذي دبر هذه التراخيص لتلك الكتب. وبفضل هذا الشخص طبعت الكتب الكردية قانونياً في سوريا وصار بإمكان بيعها في مكتبات (دمشق، وحلب، والمناطق الكردية) أو حتى تم إرسالها إلى الخارج بالبريد».
كان لافتتاح دار الزمان سنة ٢٠٠٥ كأول دار نشر حملت على عاتقها نشر كتب عن التاريخ الكردي وأخرى في ميدان الأدب واللغة وغيرها من القضايا التي تخص الشعب الكردي لصاحبها سراج عثمان الفضل الأكبر في إخراج الكتاب من شكله النسخي (فوتوكوبي) إلى المطابع النظامية حيث كان هو الوحيد الذي يعمل بشكل مرخص ومؤسّساتي، وقد لعبت دار الزمان دوراً بارزاً على صعيد كسر حاجز الخوف من العمل على نشر الثقافة الكردية وجعلت من مسألة وجود كتب تحمل عناوين الكرد وكردستان أمراً طبيعيا بعد أن كان من المحرّمات وقد عرضت هذه الكتب في واجهات المكتبات مظهرة أهمية الثقافة والكتاب في التقريب بين الشعوب و ساهمت في إيصال الكتاب الكردي إلى العديد من الدول العربية من خلال معارض الكتب حيث لا تزال الدار مستمرة في المضيّ بمشروعها في دمشق حتى هذه اللحظة وقد نشرت في هذا العام ثلاث كتب عن الكرد و استمرت في العزف المنفرد حتى ٢٠١١ إلى أن نشأت دور و مؤسسات تطبع الكتب الكردية بحرية و دون رقابة تذكر من النظام.
أسهمت بعض المجلات الصادرة من قبل مؤسسات مدنية وإعلامية في بروز شكل جديد للطباعة يختلف عن المنشورات الحزبية السائدة والمفتقرة لشكل وإخراج مقبولين حيث صدرت صحيفة ولات WELAT في 2012 التي وصلت الآن للإصدار 45 وتتضمن محتوى باللغتين الكردية والعربية وتصدر عن مؤسسة ولات للإعلام، كما أصدرت منظمة شار للتنمية مجلة شار ŞARبقسميها الكردي والعربي منذ 2014 وصدر منها 8 أعداد بطباعة أنيقة وإخراج متميز عن الشكل السائد في الصحافة الكردية .
ساهمت دار نشر (Dar) وهي أول دار نشر مرخصة في روج آفا (تأسست في ٢٠١٦) في طباعة نماذج جيدة من الكتب شكلاً وموضوعاً لمجموعة من الكتاب والأدباء تضمنت أبحاثا ودراسات قيمة ومتنوعة المحاور. تجدر الإشارة أن المشاريع الثقافية التي يقوم بها أفراد أو مجموعات ولا سيما تلك المتعلقة بطباعة الكتب ونشرها تبدو ناجحة أكثر من المشاريع التابعة لجهات سياسية من حيث النوع على أقل تقدير، بينما تنجح الأخيرة في امتلاك القدرة المادية المنعكسة على الكم، ومن المشاريع أدارها مجموعة من المثقفين والمهتمين تأتي جهود مؤسسة هنار التي حملت على عاتقها طباعة الكتاب الكردي فقط بأجمل تصاميم الأغلفة والإخراج الفني وكانت لها الريادة بين دور النشر بالإعلان عن كتبها عن طريق الـ»فيديو غرافيك» فقد نشر أول فيديو تعريفي بتاريخ 13 نوفمبر 2016 هو فيديو الإعلان عن كتاب «Hezkirîya Xwedê» للكاتب Îbrahîm Sedo» Aydogan» من 35 ثانية من الصور ذات الجودة العالية مصحوبة بموسيقى فلكلورية مشوقة، وتمر على الشاشة صور الغلاف مع مقاطع من كتابات المؤلف الأمر الذي كررته «Hinar» عند الإعلان عن باقي كتبها ( أو معظمها )، وتطورت إلى إصدار (أفلام قصيرة) حِرَفية بطريقة الفيدو غرافيك بمدّة تتجاوز ٤ دقائق تعرض نبذة عن حياة الكاتب والمترجم وأعمالهما و بجودة عالية.

هل المسوق أم فشل الكتّاب وراء هزائم القرّاء أم العكس؟

في دراسة عن الواقع الثقافي في الجزيرة وكوباني والتي نشرتها سورمي بالاشتراك مع مجلة Rê عزى الباحثون تراجع اهتمام القرّاء بالكتاب المحلي إلى عدم وجود مشروع حداثي على الصعيدين الفكري والأدبي، حيث أظهرت النتائج التي أجريت على ٢٣٥ مبحوثاً بأن نسبة ٥٤،٩ ٪‏ من مجموع أفراد عينة البحث لا يقرأون للكتاب المحليين.
ففي معرض الكتاب الأول الذي قامت به هيئة الثقافة و الفن و الذي افتتح في ٢٠ تموز العام ٢٠١٧ عرضت دور النشر المحلية و المؤسسات الثقافية و المؤسسات الرسمية معظم نتاج الكتاب المحليين، الذين روّج الكثير منهم لمؤلفاتهم حيث كانوا يجلسون خلف طاولات معروضة عليها كتبهم (منهم كبار الكتاب) بانتظار من يلقي لها بالاً طِوال الأيام الستة لمدة المعرض الأمر الذي لقيَ استهجانا من الكثير من نقّاد الشأن العام كون الأمر لا يراعي الذوق العام حيث اشتكى معظم العارضين من عدم ارتياح واضح لنسب بيع الكتب باستثناء قلة قليلة.
السبب الهامّ الآخر لعدم إقبال القارئ على الكتاب المحلي هو أنه لا تُلقي متاجر الكتب التقليدية بالاً لمنتوج الكاتب المحلي على اختلاف جودة الكاتب ذلك لأن الكاتب المحلي لا يجد من يقرأ له باستثناء دائرة من القرّاء والمهتمين المحيطين به، زد على ذلك فإن سوق الكتاب يتحكم فيه الطلب فالمشكلة الجوهرية من بين المشاكل الكبرى الأخرى، كثرة الطلب على الكتب التي تنتجها مافيات التزوير بسبب لجوء القارىء إلى قراءة النتاج الفكري الغربي المترجم بالدرجة الأولى والعربي الأكثر مبيعاً بالدرجة الثانية ، والتي لا تتدخل لمنعهم السلطات بحجة أنها معنية فقط بجانب الإجازة أو المنع الأمني لمحتويات الكتاب، ويختار هؤلاء القراصنة الكتب الأكثر مبيعا من كل دور النشر العربية ويتاجرون بها بشكل فاجر يدّعون الحرص على توفير الكتاب بسعر رخيص بينما هم يدمرون صناعة النشر برداءة جودة الكتاب المقرصن وسرقة حقوق المؤلفين و هذا ما تذخر به المكتبات السورية بشكل عام و متاجر الكتب في الجزيرة بشكل خاص .
كما أنّ من يلاحظ حالة الحرب والحصار الذي نشهده والأوضاع الأمنية الخطيرة التي تشهدها العديد من البلدان المحيطة، يفهم سبب ركود (السوق) حيث أدى ذلك إلى غياب واردات الكتب العربية والكردية إلى السوق المحلية واعتماد السوق المحلية إلى نتاجها من الكتب المحلية والكتب المقرصنة.
و أيضاً تحول غالبية متاجر الكتب بالتدريج إلى مكتبات بيع القرطاسية ولوازم المدرسة وتصوير الأوراق بالطابعات المكتبية كنتيجة لعدم الجدوى الاقتصادية لبيع الكتب مقارنة بالقرطاسية وغيرها من السلع، وقد يقول البعض إن ضعف القدرة الشرائية بسبب التدني الكبير لدخل الفرد هو السبب الرئيس لعدم إقبال القارئ على شراء الكتب، لكن القارئ يمكنه أن يشتري أي شيء بأثمان باهظة، إلا عندما يتعلق الأمر بالكتاب فيبدأ النظر إلى ميزانيته، فالمراكز الثقافية والتي تقدم خدمات مجانية لقراء الكتب تعاني أيضا من عدم إقبال القراء إليها، فقد ذكر مسؤول مركز دجلة للثقافة والفن في ديرك جوان ملا علي لمحمود عبدو في مقال كتبه لمجلة ولات في عددها 42 الصادر في تموز ٢٠١٧ أن حركة الاستعارة خلال أشهر (أيار -حزيران- تموز ) لم تتجاوز عشرة كتب فقط.
وعليه فان للأزمة جذوراً بعيدة تتجاوز الراهن الحضاري، التلفزيون والسينما والفيديو ومحطات التلفزة الفضائية والإنترنت «القشة التي قصمت ظهر البعير» وكل هذه العوامل المعاصرة أدت إلى تراجع الكتاب، أي الانتقال من السيىء إلى الأسوأ مقارنة بالشعوب القارئة.