مشاهدات من زمن الحرب

من قال أنّ معاناة الأبرياء تنتهي بانتهاء المعارك؟

أن تكون مراسلا صحفيا يعني أنّ لديك فرصا دائمة للتعرّف على وجوه وأماكن جديدة، ويعني أنّ عليك معالجة مواضيع متنوعة تتصل بمصائر الناس وحيواتهم، آمالهم وآلامهم. فالعمل الصحفي قد يدفعك إلى اللقاء بمن يتخذون القرارات في الصباح، ومع البسطاء ممن تأثروا بتلك القرارات في المساء.

 

ما تقدّم يوضّح شيئاً من طبيعة مهنة المتاعب التي تعدّ – في ذات الوقت – من أكثر المهن بعدا عن النمطية والروتين، ومن أكثرها مقدرة على تجديد الشخصية، إلا أن ما يضفي مزيجا من المفارقة والتميّز على العمل الصحفي؛ هو ممارسته زمن الحرب، حين تغدو الحقيقة أولى الضحايا.

المفارقة هنا لا تأتي فقط لأنّ على الصحفي العمل ضمن ظروف تفرضها مزاجية سلطات قائمة، مع الحرص على الاحتفاظ بقدر من الاستقلالية في نقل الحقائق، لكن الحرص على أداء دور رقابيّ قد يجلب مخاطر كبيرة، إذ يغدو الصحفي بمجرد قوله لكلمة؛ غير مرغوب به، وليس أدلّ على ذلك من مقتَل 634 صحفيّ منذ بديات الأزمة السورية وفق مصادر حقوقية.
الاستثناء والمفارقة يأتيان أيضا من أنّ طبيعة التغطية الإخبارية في الحرب، قد تفرض التجرّد في نقل الوقائع، ما يجعل الضحايا مجرّد أرقام أحيانا. والصدفة قد تتيح الفرصةً لتغطية قصّة إنسانية من أحد شوارع المدن التي أتت عليها الحرب، إلا أن حجم الدمار يطلّ دائما كشاهد على أنّ آلاف القصص قد غابت، لا بل إنّ قصة ذات المدينة مع سكانها قد تطوى، ما إن تنتقل رحى المعارك إلى مدينة أخرى غيرها.

هي الحرب حين تبرع في بث الألم والمفارقات، وكيف أنّ تفجيرا في القامشلي يغدو حدثا غير ذي قيمة خبرية بالنسبة لوسائل الإعلام، فقط لأنّه لم يوقِع بضحايا، ذلك ما القيمة الخبرية في تفجير عبوة ناسفة لم تؤدي سوى إلى تضرّر عامود إنارة، أمام جبهات متزامنة في مدنٍ أخرى يقضي فيها العشرات يوميا ؟!

خلال ست سنوات من العمل الصحفي، تنقلت بين دمشق ومختلف مناطق الشمال، صادفت خلالها المئات من الوجوه والأشخاص، وقمت بتغطية المظاهرات كما والمعارك لاحقا، لكن في خضّم كلّ ذلك لم تبق في ذاكرتي، سوى مشاهد بعض البسطاء متقدة بتفاصيلها.

مشاهد هي أقرب إلى خلاصة تجارب في زمن الحرب، لكنّها تكاد تختصر حقيقتها وتجرّدها عارية أمام آلام الضحايا. بعضها قد يحمل الكثير من الأمل والإدهاش، لما قد يستطيع المرء تحمّله من أهوال. كما إنّ أخرى قد تكشف عما تجرّه المآسي من انقلاب عاصف في شخصية الإنسان وقناعاته السابقة ونظرته إلى الحياة.

المشهد الأول؛ حاجز عسكري يحتجز وراءه طوفانا بشريا، لا يسمح بمرور شيء دون تفتيش دقيق. المكان: شارع طريق جرابلس شمال مدينة منبج. الزمان: لحظات تعقّب انسحاب ما تبقى من مقاتلي داعش باتجاه جرابلس.

هؤلاء كانوا آخر المدنيين الذين احتمت داعش بهم كدروع بشرية خلال أيامها الأخيرة في المدينة، لذا بدت وجوههم مشرقة، وعدسات الزملاء استطاعت تخليد لحظات كانت فيها بعض النسوة يخلعن السواد، بينما أخريات يرتشفن الدخان في تشفٍ ونكاية بالزمن الذي كانوا يعيشونه حتى قبل ساعات.

ليس بعيدا من ذاك التجمهر والفرح العارم، كان سبعينيّ على أحد الأرصفة محاطا بخمسة أحفاد؛ بدوا في أعمار متقاربة لا يتجاوز أكبرهم السبع سنوات. العجوز تنَّقل بناظريه بينهم وهم يتناولون قطع البسكويت بنهم، بينما كان هو يحمل مثلهم دون أن يأكل شيئا، وما أن انتهوا من تناول حصتهم حتى قسّم العجوز عليهم ما بين يديه.

وجوههم المتعبة وهيئاتهم كانت تبعتُ شعورا باحتياجهم إلى المساعدة، ما دفع بي إلى سؤالهم.

فأجابني العجوز موجزا: هؤلاء احفادي من ولديَّ المسافرين خارج البلاد، أما نحن فقد انفصلنا قبل ساعات عما تبقى من عائلتنا؛ جدتهم و3 من عماتهم وأمهاتهم، وذلك بعد ان سبقونا في اجتياز حاجز التفتيش ذاك، وقبل أيام فقدنا منزلنا و معه شقاء عمرنا بعد أن تهدّم في القصف، كما أنّي سبق وخسرت اثنين من أبنائي بعد أن أعدمتهم داعش، وها أنت ترى الآن حالنا، لكن بالرغم من كل ما حدث، إلا أنني أشعر – يا بني – وكأنني ولدت من جديد، وكل هذا الفرح الذي تجده على وجوه العباد، هو ليس فرحا للخروج من سجن استمر ثلاثة سنوات، بل هو فرح لعودتنا من الموت و خروجنا من الجحيم.

العجوز لم يخفِ عدم معرفته بالقوة التي سيطرت وأنقذتهم، «لكن الخلاص من داعش لا يمكن أن يوازيه أي عيد».

المشهد الثاني؛ دخان يتصاعد والدمار يعمّ الأرجاء، وهرج يختلط فيه صراخ النساء مع أصوات سيارات الإسعاف، وأناس يركضون في كلّ الجهات. المكان شارع طريق عامودا حيث قضى أكثر من 58 مدنيا بينهم 13 من عائلة واحدة، فيما اختفت جثث بعض الضحايا وبقوا دون شاهدة قبر، كما تغيّرت ملامح حيّ ومعها حياة عشرات العائلات في الجوار: الزمان: وقت قصير عقب وقوع تفجير بشاحنة مفخّخة.

في الأثناء اندفعت عجوز من بين الجموع وتوقفت على حافة أحد الأقبية وانهارت باكية حيث انهار بناء استقرّ بكامله ركاما داخل القبو. نادت على اختها وأطفالها وردّدت أسمائهم. نظرت بحسرة إلى الأسفل حيث يبحث عمال عن ناجين محتملين تحت الركام. مشهد العجوز الذي بدا أكثر تعبيرا عن هول الفاجعة حاول مصور صحفي التقاطه بكاميرته، فتقدّم نحو المرأة وقرفص حتى يجعلها في مستوى عدسته، لكن العجوز التي انتبهت فجأة لما يجري من حولها، التقطت حجرا مما تبقى من جسم المبنى المهدم وألقت به في كامل قوتها بوجه الصحفي. لحسن الحظ لم يصب الحجر مراده. فانسحب الصحفي على الفور مبتعدا، بينما عادت أنظارنا لترمق العجوز في تساؤل ودهشة وشيء من الرهبة.

المشهد الثالث؛ لرجل في العقد السابع من عمره بريف تل أبيض. وصفه الأهالي بالخوجه الحكيم، وخير من يستطيع أن يتكلم عن أحوالهم، فقد كان مربيا لأجيال في هذه المنطقة التي تجمع بين الكرد والعرب، ودرّسَ فيها للمرحلة الثانوية لعقود، لذا يعرفه غالبية سكانها بعد أن تحول بعد التقاعد إلى إمام وخطيب جامع لخمسة عشرة عاما.

لدى لقائي به، قدّم لي تصريحا بليغا من دون تكلّف، فأثنيت عليه بإطراء على شكل سؤال، أو لازلت تمارس الخطابة حتى بقيت محتفظا بهذه البلاغة في الرد؟.

لكن رده جائني صادما: «الخطابة كانت فيما مضى، حين كنت إماما لأعوام، أما الآن فأنا اقترح بيع ذلك الجامع، لكن لا أحد يشتريه، كما لا يرضى أحد الاستفادة منه كمركز ثقافي».

الرجل الحازم في نبرته كان قد أوضح لي قبل ذلك أنّ داعش ارتكبت الفظائع في قريته والمناطق المجاورة لها، كما ونهبت أملاكهم كغنائم واعتبرته كافرا يجب أن يقام عليه الحدّ نحرا.

في طريق العودة انتابني الندم لما لم استوضح أسبابا أخرى لذلك الانقلاب العاصف بشخصيته، لكن الموقف أعاد لذاكرتي وصفا لنازح عجوز، قال لي؛ إنها الحرب يا بنيّ، حيث لا تنتهي معاناة الأبرياء مع انتهاء المعارك.