الرصاص العشوائي وضحاياه

هم متجدد يقلق المواطنين

أصدرت قوات سوريا الديمقراطية في 27 سبتمر الفائت, قراراً يقضي بمنع المظاهر العسكرية في المدن، وتضمن القرار فقراتٍ تشير إلى منع استخدام السلطة العسكرية في الحياة المدنية، وبدا أن ذلك يحاكي همّاً عاماً، ولكن من حين لآخر تصطدم الحياة المدنية بتصرفات غير مسؤولة نتيجة امتداد العسكرة الى المجتمع دون أن تؤخذ مثل هذه القضايا حقها في التحقيق والمحاسبة .

هذا الامتداد في الحياة المدنية يأخذ شكلاً مختلفاً من خلال الاستخدام الغير المنضبط للسلاح لدى البعض للتعبير عن الفرح في المناسبات الخاصة مثل الأعراس والنجاح وغير ذلك بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء الطلق ولكن البعض منها قد تأخذ مساراً مغايراً فتصيب شاباً أو طفلاً أو عجوزاً..

“الطفلة هلز آخر ضحايا الرصاص العشوائي”

إحدى تلك الطلقات أصابت قبل أيام الطفلة هلز خليل مرعان، رصاصة استقرت في جمجمتها وأودعتها غرفة العناية المشددة أمام عجز الكادر الطبي عن إدراك طريق العودة للرصاصة الطائشة.

يقول “خليل مرعان” وهو والد الطفلة في حديث خاص لـ “شار” إنهم لم يسمعوا صوت الطلقة ولكنهم فقط تفاجئوا بصراخ الطفلة أمام منزلهم الكائن في حي الكورنيش بمدينة قامشلو .

وأضاف مرعان انه أسعف ابنته إلى مشفى “فرمان” الخاص في مدينة قامشلو لكن إدارة المشفى لم تستقبل الحالة لعدم وجود جهاز طبقي محوري لديهم , الأمر الذي دعاهم لنقلها إلى المشفى الوطني بالمدينة، حيث استقر وضعها الصحي ولكن الأطباء عاجزون عن إخراج الطلقة  من رأسها.

ولا يتهم مرعان أحداً إذ يعتقد بأن الرصاصة طائشة ولم يقصد المذنب ارتكاب جريمة لكنه أكد عزمه محاسبة المسؤول عن طريق القضاء فيما لو عُرفت هويته” .

وطالب  “مرعان” في ختام حديثه لـ ” شار” الإدارة الذاتية والجهات المعنية بوضع حد لظاهرة  فوضى السلاح والرصاص العشوائي في المدينة .

الطفلة هلز لم تكن الضحية الوحيدة لظاهرة فوضى السلاح فقد سبقها وفاة الإعلامي عبد الرحيم أوسي في 13 أيلول الفائت متأثراً بإصابته بطلقة طائشة في مدينة الحسكة.

“حملة الكترونية للحد من ظاهرة الرصاص العشوائي”

إصابة الطفلة هلز كانت محرضاً لمجموعة من الناشطين للضغط على السلطة القائمة باتخاذ إجراءات مشددة لمنع الظاهرة واتخاذ إجراءات بحق مطلقي العيارات النارية في المناسبات.

وأطلقت الإعلامية أفين شيخموس حملة على مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان ” طيش رصاصاتكم يقتلنا”، سرعان ما تعاطف معها عدد كبير من الإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني  داعين لوضع حد لفوضى السلاح والضغط على الجهات المسؤولة للتعامل بصرامة مع مطلقي الأعيرة النارية بشكل عشوائي.

  شيخموس قالت لـ” شار” إنها أطلقت الحملة بتاريخ السادس من الشهر الجاري، بهدف الحد من انتشار فوضى السلاح بعد ارتفاع ضحايا الرصاص العشوائي.

وأشارت “شيخموس” أن فكرة الحملة جاءت منذ حوادث سابقة إلا أن الطفلة “هلز” آخر ضحية هي التي دفعتها إلى إطلاق الحملة دون  تردد التي لاقت  تفاعلاً من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضافت “شيخموس” إن الحملة تستهدف كافة شرائح المجتمع بمن فيهم الجهات الأمنية من مطلقي الرصاص في المناسبات وغيرها داعية إياهم الكف عن إطلاق الرصاص العشوائي وسلك سبل حضارية في التعبير عن الفرح.

وطالبت مقتني السلاح بتحمل مسؤوليتهم  حيال طرق  استخدامه ، كما طالبت الجهات المعنية  التعامل أكثر صرامة مع أولئك الأشخاص .

وعن سبل الحد من انتشار هذه الظاهر دعت شيخموس  منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية  إلى إطلاق حملات توعوية لوقف انتشار الظاهرة مضيفة أنهم نظموا اعتصاماً بهذا الخصوص .

“الأهالي قلقون من تفاقم ظاهرة فوضى السلاح”

الأهالي من جهتهم عبروا عن قلقهم من تفاقم هذه الظاهرة ومخاطرها ما لم يتم وضع حل لها ومعاقبة الفاعلين مطالبين الجهات المختصة بملاحقة هؤلاء والضرب بيد من حديد لحفظ سلامة الأبرياء .

ترى السيدة جليلة عيسى  من أهالي مدينة قامشلو أن ظاهرة فوضى السلاح منتشرة بكثرة ولم تعد تحتمل .

وأردفت عيسى أن العسكري والمدني الصغير والكبير يحملون السلاح في كل مكان ولا يتوانون عن إطلاق الرصاص في أي مناسبة كانت متسائلة “أليست هذه فوضى السلاح ؟!.

وطالبت عيسى  الجهات المعنية بمحاسبة المسؤولين عن هذه الفوضى سواء كانوا عسكريين أو مدنيين ففي النهاية الأرواح التي تزهق هي للأبرياء .

 يقول أحمد حسين من مدينة ديرك أن هذه الظاهرة كانت موجودة في الماضي ولاسيما في الاحتفالات  ولكنها عادت للظهور مؤخراً بشكل جنوني ومتهور وتسببت بالعديد من الإصابات وعلى الجهات المعنية وضع حد لهذه التصرفات الهمجية وتجريم الفاعل وتغريمه.

من جانبه لم يستغرب الناشط المدني دلشاد عبدو انتشار السلاح و مايرافقه من اطلاق الرصاص الطائش في ظل ماتمر به سوريا عموماً والمنطقة خصوصاً .

ويرى “عبدو” أن مهمة مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على السلطة بل هي واجب على كل شخص بالطرق والوسائل الممكنة والمشروعة وضرورة إعلام قوات الأمن الداخلي عن كل حالة تحدث سواء أكان مدنياً أو عسكرياً، حرصاً على حياة أطفالهم .

وطالب عبدو “الإدارة الذاتية” تفعيل قوانينها و تعاميمها التي أصدرتها بهذا الخصوص، وتطبيق أشد العقوبات بحق كل من يخرقها .

” ضحايا الرصاص العشوائي ليسوا كثيرين ، عشرون فقط !”

أصدرت الإدارة الذاتية عام 2014 قانون ترخيص السلاح وحددت الفئات العمرية التي يحق لها حمله وشروط اقتنائه ولعل أهم هذه الشروط أن يكون من سكان الجزيرة وسليم من الناحية الجسدية.

وأعاد الرئيس المشترك لهيئة الداخلية كنعان بركات في تصريح ل شار سبب انتشار  ظاهرة فوضى السلاح  بين الأهالي إلى دخول كمية من السلاح بطرق غير مشروعة في بداية الأزمة/الثورة السورية وبيعها للأهالي مبيناً أنهم بعد إصدارهم قانون الترخيص لاحقوا الكثير من  تجار الأسلحة ومقتني السلاح الغير المرخص من الأهالي .

ويرى بركات إن الحوادث التي وقعت نتيجة فوضى السلاح وإطلاق الرصاص العشوائي لم تصل إلى حد التفاقم ! مبيناً أن الإصابات التي سجلت هي عشرون حالة فقط منها عشر وفيات خلال العام!! .

ووجه بركات نداء عبر شار إلى الأهالي والمجالس المحلية للتعاون مع قوات الأسايش لمعرفة مطلقي الرصاص موضحاً في الوقت ذاته  أنهم لن يمنحوا ترخيص السلاح لأي شخص كان وتطبيق قانون ترخيص السلاح بشكل كامل.

وأكد بركات أنهم لن يتهاونوا في ملاحقة مطلقي الرصاص الغير المبرر وحاملي الأسلحة الغير المرخصة  وسيتم ملاحقتهم وإحالتهم إلى المحاكم الخاصة درءاً لحدوث حالة فوضى في المدن وقرى الجزيرة على حد تعبيره.

إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات الخاصة أو حتى العامة هي من العادات القديمة التي كان يقوم بها أبناء شيوخ العشائر، وهي في جوهرها تعبيرٌ عن السلطة أكثر من كونها تعبيراً عن الفرح، وهو ما يقوم به حالياً المقربون من الإدارة الذاتية أو موظفوها كتعبير عن نفوذ يمتلكونه على مستويات عدّة.