أين نقف من العنف؟

اختلفت رؤى الفلاسفة وعلماء النفس حول العنف وجذوره، هل هو سلوك ملازم للإنسان؟ أم هو اكتساب محض من المحيط؟ هل ينشأ الإنسان عنيفا؟ أم أن هنالك دوافع كامنة للإيذاء والعدوان لديه تتجسد أفعالا في ظروف ومسارات محددة؟ ماهو مقياس أثر البيئة العنيفة على الأفراد؟ أليس هنالك أفراد مسالمون يتبنون اللاعنف حتى ولو كانوا ضمن بيئة الحرب والاقتتال؟ كل هذه الأسئلة تفتح الباب أمام المتقصي ليكون رؤى وقناعات خاصة ترسم بدورها ملامح لمقترحات حلول.

تقتضي الضرورة في هذا المجال أن يكون الباحث واقفا على مسافة قريبة من تجارب عنفية ولا سيما الجماعية منها إذ لا يكفي أن يكون قارئا نهما لتجارب الشعوب والمجتمعات حتى يستطيع تقديم التوصيات والحلول فحل النزاعات أو التدخل لصالح ترجيح كفة الخيارات اللاعنفية تتطلب ملامسة وإحاطة عن قرب. فإذا ما كان حفظ الأرواح البشرية من القتل والإيذاء تقف في طليعة الغايات من دعوات السلام وحملات نبذ العنف فهذا لا يغني عن دراسات مستفيضة تحلل تفاصيل النزاعات الكبيرة والصغيرة، فبدون عمل جاد على تشريح بنية العنف في كل مجتمع يخوض حربا أو اقتتالا أو نزاعا لن تستطيع الحركات و المنظمات و جماعات الضغط الداعية لإحلال السلام في كل أنحاء العالم أن تنجز تحولا ملموسا ضمن مسار السلام العالمي ككل.

ففي سوريا التي مازالت تدور في حلقة العنف العاري وغير المنضبط تتطلب دراسة العنف القائم شروطا خاصة إذ  تتنوع القوى العسكرية والسياسية المسيطرة على المشهد السوري، وتتفاوت القدرة بين منطقة وأخرى على إجراء مسوح ودراسات فأغلب المناطق السورية خطرة على المشتغلين بالشأن العام، عدا عن عوامل أخرى تتعلق بمواطني تلك المناطق وطرائق تفكيرهم وتقسيماتهم الاجتماعية وأنماط معيشتهم، كما تختلف الأدوات التي يمكن توظيفها في كبح جماح العنف. بالانتقال من العام إلى الخاص نحتاج إلى دراسة العنف مع مراعاة الانتقال من مستواه السياسي العام إلى مستواه الاجتماعي المتعلق بالنزاعات بين الأفراد والعشائر والعوائل  وهنا تظهر الحاجة لطرح أسئلة أخرى كأن نتسائل عن كيفية تنشئة أطفال لا يلجأون للعنف كخيار لتلبية احتياجاتهم أو تعبيرا عن عواطفهم. كيف يمكن للوجهاء وقادة الرأي أن يلعبوا أدوارا حقيقية في لجم العنف وتبني حلول لاعنفية على مستوى الحلقات الاجتماعية الصغيرة؟. كيف نجرد المدارس والمؤسسات التعليمية من مظاهر العنف؟.

تعود الأطفال والمراهقين على استعمال العنف ضدهم ضمن الأسر من قبل الأبوين أو ممن يكبرونهم سنا أو من الجيران إذ لم يتشرب المجتمع أية ثقافة تربوية لا عنفية تعمل عليها مؤسسات ونخب اجتماعية، وربما كانت هنالك رغبات فردية لدى البعض من المتنورين لترجيح كفة الخيارات اللاعنفية في المجتمع بما يخص الأطفال والنساء غير أن القوانين والأعراف وموانع السلطات أدت على الدوام للجم هكذا تطلعات فردية وحتى جماعية قد تقوم بها مؤسسة أو مبادرة مجتمعية.

هنالك حقيقة أن المدارس وحتى الجامعات في سوريا كانت وما تزال بيئة حاضنة للعنف، وأن أغلب الأجيال التي تلقت تعليما تلقينيا مؤدلجا قد مورس عليها العنف الجسدي واللفظي على مدى سنوات وعقود، وقد يكون من الصعوبة بمكان نزع العنف من أذهان ملايين الطلاب الذين تلقوا تعليما متخلفا في مدارس مغلقة يلوح فيها المدرسون بعصيهم، ولا تكفي الجهود التي تقدمها منظمات المجتمع المدني التي تشكلت حديثا في مناطق عديدة من سوريا، فقد بقي تأثيرها محدودا بالنظر لافتقار هذه المؤسسات الحديثة النشأة لتدريبات نوعية ولعدم قدرة الجهات السياسية على تقبل فكرة وجود أنماط جديدة في العمل تختلف في مراميها عن والأهداف السياسية التقليدية، وهذا ما أثر في انتفاءاستدامة مشاريع اللاعنف وبناء السلام و حل النزاعات ضمن البيئات المحلية الصغيرة إضافة لعوامل وأسباب أخرى يطول شرحها وتقف حائلا دون إنجاز تحول حقيقي لدور المنظمات في هذا الصدد.

إذا ما ذهبناباتجاه تقديم مقترحات عامة بغية الحد من تإثير العنف على حياة الناس فسيكون للتوعية بطرائقها العصرية المتعددة والذكية الأثر الأبلغ، لأن لجم العنف هو قضية ثقافية معرفية قبل أن تكون سياسية، وتجذير ثقافة اللاعنف يأتي من تقبل خضوع الأفراد لبرامج اجتماعية جادة تكون غايتها ومؤداها نبذ العنف، وأن لا تحتكر جهات محددة فضاء نبذ العنف بما ينطوي على ذلك من تنميط للفكرة والأداة كما حدث مع أغلب منظمات المجتمع المدني السورية التي أسهمت بقصد أو بدونه في تغذية فكرة خاطئة في أن نبذ العنف ثقافة نخبوية، ولا يمكن أن ينخرط فيها أناس غير مشتغلون بالشأن العام!!.

كل المؤسسات سواء كانت مدنية أم سياسية مطالبة بتأصيل ثقافة اللاعنف في كل مفاصلها وتعبيراتها، وينطبق هذا على الأفراد الذين ينبغي أن يجدوا نفسهم ملزمين بتبني اللاعنف، وهذا الالتزام يجب أن ينبع من حراك ثقافي مدني يغوص في تفاصيل حركة المجتمع فليس هنالك من بشر في هذا البلاد لم يدخل العنف إلى حيواتهم، أو لم يمارسوه بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن المفيد هنا الإطلاع على تجارب الشعوب والمجتمعات التي تخلصت كليا أو جزئيا من إرث عنفي قاس ويستطيع دعاة اللاعنف أن يؤسسوا على تجارب غيرهم ويكيفوها مع واقعهم حين تحين الفرصة. من المهم أيضا أن تقترن التوعية بمستوياتها وطرائقها المتعددة مع الاستفادة من موارد المجتمع البشرية التقليدية في حل النزاعات و ووقف العنف كالوجهاء و قادة الرأي ومجالس المصالحات والسلم الأهلي التي تدخل أيضا في إطار المجتمع المدني أو الأهلي.