أجلس أمام النافذة الكبيرة لصالون البيت الذي أستاجره في أربيل، أراقب طائرة مدنية عملاقة تعلو ظهر الأفق بتثاقل، تعقبها حوامة “شينوك” ذات مروحتين، تتبع لقوات التحالف، تملأ الأنحاء هديراً، ترسم طائرة شحن أخرى خطاً أبيضاً مستقيماً خلفها لا يلبث أن يتبدد. يتكرر المشهد على مدار الساعة، هذا الأفق المزدحم أعادني إلى زمن ندرة الطائرات وسحرها، زمن الطفولة يوم كنا نهرع لأسطح بيوتنا كي نراقب حوامة تركية أو سورية، ربما تكون في مهمة تصوير، أو نقل مسؤولين عسكريين أو أمنيين في مهام مستعجلة. كأطفال في ثمانينيات القرن الماضي، شدتنا تلك الأجسام المعدنية الخضراء التي كانت تمر كل شهرين أو ثلاثة فوق سماء مدينة سري كانييه المشطورة بين دولتين. لم تكن هنالك مطارات عسكرية أو مدنية قريبة منا حتى يصبح المنظر اعتيادياً، فلمجرد سماع هدير عالٍ، كنا نتقافز ونتدافع على الأدراج الإسمنية لنصل بأسرع ما يمكن إلى السطح، نكتئب حين يفوتنا المشهد النادر، كنا نخدع أحياناً كثيرة بأصوات شبيهة فنرجع خائبين!.

كان للطائرات الزراعية البيضاء الصغيرة التي ترش المبيدات في الحقول أيضاً نفس السحر والجاذبية، إذ يكفي أن يعلو أي جسم معدني في السماء، كي تتملكنا الدهشة لنراقبه فاغري الأفواه حتى يغيب خلف تلة ما، أو يبتلعه الأفق بعد ابتعاده. كثيراً ما كان يعلو صياح الصبية في الشوارع الترابية هاتفين “طيارة طيارة” وقد يأخذ الحماس أحدهم ليطلق صفيراً حاداً بعد أن يحشر أصبعين متسختين من يد واحدة أو اثنتين في فمه… يقال إن أحد طياري المبيدات في المنطقة لقي حتفه وتحطمت طائرته بعد أن أصابه راعٍ بحجر من مقلاعه أفقده توازنه.

في المدرسة، كان التلاميذ الكرد والعرب يتشاركون في تسمية حوامات الهليكوبتر باسم “علي كوبتر”، كنت أتفاصح مصححاً لهم التسمية، فيرمقوني بنظرات متعالية وكأنني أنسف لهم معتقداً صلباً. أذكر أن أغلب الكوابيس التي راودتني وأنا طفل صغير كانت لها صلة بطائرات وحوامات، كانت تهوي على مقربة مني فأرى حطاماً وحرائق وأناساً متجمهرين ودخاناً يملأ الأرجاء، أو ينزل منها مظليون يحملون بنادق سوداء بألبسة خاكية أو مرقطة… أصحو مستغرباً فلا أجد شيئاً مما حلمت به. إحدى ألعابي الأثيرة إلى قلبي كانت مجسماً لطائرة كونكورد بأسلاك تعليق متينة تعيقني عن دحرجة دواليبها الصغيرة على أرضية الصالون الإسمنتية الصقيلة، لطالما فكرت في قص تلك الأسلاك، لا أتذكر إن كنت قد قصصتها أم لا. أذكر مجسماً آخر لطائرة علق في ذهني وجدته في مطار قامشلو الذي دخلته مرة واحدة وأنا طفل، رافقت فيها والدي رحمه الله لغرض قطع تذكرة طيران إلى دمشق، لخالي الذي كان ضابطاً مجنداً يؤدي خدمته الإلزامية في لبنان. مجسم الطائرة الأخير الذي أتذكره مراراً هو لطائرة الميغ 21 الصدئة المنصوبة على باب المدرسة الفنية الجوية في الراموسة بحلب، حيث قضيت فيها ثلاثة أشهر من الخدة الإلزامية فيما سمي بدورة الاختصاص.

.من ذكرياتي الطريفة مع الطائرات، تلك التي رافقت زيارة وحيدة لبشار الأسد إلى سري كانييه حيث سويت أرض جنب ينابيع المدينة الجافة بالحجر الكلسي المكسر ليستحيل إلى مهبط لحوامته التي أطار الهواء القوي المنبعث من مروحتها عشرات الشماخات والحطات من على رؤوس أصحابها المتجمعين الآملين في تسليمه عرائضهم والتماساتهم، وتحول المهبط الفسيح لملعب كرة قدم اعتاد الشباب والمراهقون ارتياده وبقي كذلك لحين اكتسحت الحرب مدينتهم الوادعة.

في معسكر التدريب الجامعي القريب من مطار الضمير العسكري أتيحت لي رؤية طائرات حربية كقاذفات السوخوي القديمة ذات الدخان الأسود الكثيف والميغ 21 و23. كنت أقف مأخوذاً بتمارين المناورة والالتفاف التي يقوم بها الطيارون، في اليوم الأخير من معسكر السنة الأولى الصيفي أدخلونا في محاكاة جو الحرب عبر تجربة شبيهة بالمعارك الحقيقية، كان الضباط يطلقون فوق رؤوسنا رصاصاً خلبياً ويشعلون قنابل دخانية، وكانت أكثر اللحظات رهبة حينها نزول طائرة ميغ على علو منخفض جداً فوق مكان تجمعنا، مصدرة هديراً قوياً جعلنا ننبطح لا إرادياً على الأرض. لم يتسنَّ لي التعرف على الميغ 29 حتى تم فرزي خلال الخدمة الإلزامية إلى مطار السين العسكري في صحراء القلمون الشرقي. كان الضباط يحدثوننا عن أن سرب الميغ 29 الموجود في ذاك المطار هو أحدث طائرات الجيش السوري، كانت طائرات ذاك السرب رشيقة وسريعة تختلف عن الركام الذي كانوا يسمونه “طيراناً حربياً”. سمعنا من الضباط حينها أخباراً عن سقوط طائرات عديدة بسبب الأعطال الفنية في مطارات التيفور والناصرية وخلخلة، في إحدى تلك الحوادث لم يستطع الطيار الخروج بكبسولته فتحول إلى قطعة فحم..

كنت أقضي أغلب وقتي في مستوصف لواء القوى الجوية المتداخل مع لواء الدفاع الجوي الذي كنت أتبع له، متوارياً عن نظر ضابط الأمن الذي توعد بإرسالي لسجن اللواء إن وجدني خارج قطعتي العسكرية. صدف أن كنا نتناول الغداء مع أصدقاء من الأطباء والممرضين، سمعنا رشقات رصاص قوية، اتضح من الصوت أنه صادر من رشاش ثقيل، خمنت حينها أنه رشاش طيارة، تأهب الكادر الطبي تاركاً طعامه، وتوجهوا نحو الخارج ليستعلموا عن الحادث، أعلموهم عبر الهاتف أن هنالك مصابين، اتضح أن أحد الفنيين كبس على زر إطلاق الرشاش بالخطأ ليمزق جسد زميله الذي كان متواجداً على المدرج، عاد الجميع مكتئبين غير قادرين على إكمال طعامهم.

بعد ذلك بسنوات، تحديداً في 2012، رأيت من أمكنة قريبة جداً قصف طائرات النظام لأماكن عدة في الغوطة الشرقية. في أوائل الشهر السادس من ذلك العام، بقيت حوامة لعينة تحوم مدة يومين مباشرة فوق البناية التي سكننا فيها بحرستا، مطلقة صواريخها على عربين وزملكا. قتلت تلك القذائف أطفالاً ومدنيين. في حي الأكراد كان الناس يمضون سهراتهم على أسطح منازلهم التي تعلو فوق دمشق، مراقبين قصف الحوامات لجنوبي دمشق. حضرت إحدى تلك الأمسيات اللاهبة عند صديق كنا نسمي بيته (عش اللقلق)، إذ كانت شرفته تطل على معظم دمشق وضواحيها.

صادف أن ركبت الطائرة لأول مرة بعد أن قررت ترك دمشق، إذ بات البقاء فيها ضرباً من المغامرة. توجهت حينها من بيروت جواً إلى اسطنبول لحضور نشاط دعيت إليه. في مطار بيروت، فتش رقيب لبناني جوالي مدققاً في كل الصور ومقاطع الفيديو، اعتقدت أنه سيوقفني، غير أنه أعاد لي الجهاز مدققاً في ملامحي وجواز سفري. لم تكن التجربة شيقة للغاية، غير أنها لم تخلُ من مؤثرات مختلفة عن الرحلات البرية التي أدمنها وقلما يطيب لي المكوث من دونها حتى أن أصدقائي يتندرون قائلين (هل أكلت رجل الديك؟) وهو مثل كردي يشار به إلى مكثري السفر والترحال. عاودت السفر بالطائرة عدة مرات، كان أكثرها صخباً رحلة داخلية بصحبة صديق لي بين اسطنبول وعنتاب، كان الجو عاصفاً واضطر قائد الطائرة للنزول في أضنة بعد محاولات عبثية متكررة للنزول وفق خط سير الرحلة. صدعت رؤوسنا وقتها بالمطبات الهوائية وأكملنا رحلتنا الطويلة حينها بالبولمان الذي أقلنا من أضنة إلى وجهتنا (عنتاب).

أقرب قصف طيران شهدته كان يبعد عن بيتنا في سري كانييه حوالي خمسين متراً، حين قصفت طائرات النظام حي المحطة في أواخر 2012، بعد أن دخلت إلى المدينة الوادعة فصائل متشددة من جبهة النصرة وغرباء الشام. سقط ضحايا من الجيران ودمرت العديد من المنازل.، كنت وقتها على الجانب الآخر من الحدود في شارع ملاصق لشريط الأسلاك الشائكة، علا دوي الانفجار، تحطم زجاج عدة محلات قريبة، والتصق الغبار الأبيض بوجوه المارة المذهولين. تلت ذلك عدة انفجارات أخرى في أنحاء المدينة. كانت تلك الأيام واللحظات أقرب إلى الكوابيس التي كنت أحلم بها وأنا طفل