الأقليات الدينية بين التسامح و (السماح بالعيش)

توضح خريطة الاحتفالات بعيد الميلاد في 25 كانون الأول/ ديسمبر، ما هو أكثر من إحياء مناسبة خاصة بأتباع الديانة المسيحية في سوريا على مدى سنوات الحرب المستمرة في سوريا. لم تشهد مناطق سيطرة تنظيم داعش وتنظيمات متطرفة أخرى العام الماضي أي احتفال بالميلاد على مدار سنوات هيمنة هذه التنظيمات على القرى والبلدات المسيحية وغيرها من الأقليات، خريطة الاحتفالات تكشف إلى درجة كبيرة خريطة قوى التطرف أيضاً؛ كيف كانت وكيف أصبحت. فازدياد أصوات أجراس الكنائس في أي منطقة باتت علامة على هزيمة القوى الإرهابية التي حطمت عشرات دور العبادة في سوريا والعراق.

في مطلع عام 2014 أقدم تنظيم داعش على إنزال الصلبان عن الكنيستين التاريخيتين في الرقة: البشارة والشهداء. وأحرقوا محتوياتهما وألحقوا بهما أضرارا كبيرة. وحولوا كنيسة البشارة إلى مقراً “للدعوة الإسلامية” وكنيسة الشهداء إلى سجن.
تم إحياء احتفال عيد الميلاد في الرقة، مطلع 2018، بعد تحريرها من داعش للمرة الأولى منذ سيطرة التنظيم على المدينة، لكن الاحتفال كان رمزياً حضره ممثلون عن القوى المحررة أكثر من المسيحيين الذين لم يبق منهم أحد في المدينة، وقد أجبر ما من تبقى من المسيحيين في الرقة على اعتناق  الإسلام أو دفع الجزية أو الموت، فاختارت غالبية العالقين في المكان الخيار الأول حفاظاً على حياتهم.

في العراق تعرض المسيحيون والإيزيديون إلى نكبات أكبر بسبب كثافة عددهم مقارنة بأعدادهم في مناطق سيطرة داعش في سوريا. وشهدت كنائس قليلة في العراق إحياء قداس عيدالميلاد بعد 3 سنوات من الاحتلال الداعشي. ومن أصل مليون ونصف المليون مسيحي لم يبق في العراق سوى 400 ألف، من سيعود منهم سيكون بغرض بيع ممتلكاته للهجرة النهائية. و قد سبق للإيزيديين أن احتفلوا بأعيادهم في سنجار بعد تحريرها من التنظيم وهي الأقلية التي تعرضت لأكبر إبادة في موجة الإرهاب التي اجتاحت المنطقة.

بعد سنوات عديدة قادمة سيكون هناك مسيحيون في الموصل وإيزيديون في سنجار، وسيتم الحديث عن حملات تصفية الشعوب القديمة في المنطقة، وسيخرج بعض من يرد عليهم أنه لو أن أهل المنطقة لم يكونوا متسامحين لما بقي هناك مسيحي واحد أو إيزيدي واحد بعد كل هذه السنوات من التعايش.

كانت هذه النقاشات في صلب كل أطروحة عن التسامح الديني في الشرق. غالباً يلجأ من يريد التغطية على ضيق مساحة التسامح الديني تاريخياً إلى السؤال التالي: هل كان سيبقى هناك مسيحيون أو إيزيديون وغيرهم من “الأقليات الدينية” لو لم يعيشوا في بيئة متسامحة؟

إن العودة إلى بعض الوقائع التاريخية تكشف أسباباً أخرى لا تتعلق بالتسامح، إنما بتعهد السلطة الحاكمة حماية التنوع الديني، او على الأقل الحفاظ على بعض مظاهر هذا التنوع. وهذا يحيل البقاء إلى قرارات السلطات المتعاقبة على المنطقة. في بعض الحالات على فترات زمنية متقطعة، كانت موارد الجزية تشكل سبباً لتفضيل الدولة العثمانية بقاء المسيحيين وعدم تحولهم إلى الإسلام. وفي حالات أخرى خلال القرن التاسع عشر لعب ضغط الدول الغربية دوراً كبيراً في إيلاء الأقليات الدينية اهتمامها،  وفي الوقت نفسه عملت الدولة العثمانية على إظهار نفسها كدولة متعددة الأديان وضامنة للتعايش. لكن هل بدون قرار سياسي كان يمكن بقاء المسيحيين وغيرهم من الأقليات في دول المنطقة؟ يظهر مثال الأرمن في الدولة العثمانية أن قراراً واحداً سياسياً أدى إلى إبادة مليون ونصف  المليون أرمني، ولم يتمكن “التسامح الشعبي” سوى في إنقاذ بضعة آلاف في ذلك الوقت أمام قرار التصفية. وبالمبدأ لو أن السلطة قررت حماية المسيحيين فلن تنجح أي اعتداءات متطرفة في القيام بتصفية بهذا الحجم. وهذا يعني أن الإبادات الكبرى هي قرارات سلطوية بما فيها هجمات داعش على الأقليات وعلى المخالفين له من كافة الطوائف بما فيهم المسلمين. وقرار الإبادة يتحدد وفق منظومة الطاعة التي يضعها التنظيم أو السلطة – الدولة التي تحركها.

هناك نقطة إشكالية تتعلق بسياسات الأنظمة المتعاقبة تجاه التنوع الديني لدى مقارنتها بسياسات داعش في نفس الإطار. لماذا قامت غالبية الأنظمة على مر التاريخ بالحفاظ – ولو في الحد الأدنى – من التنوع ؟ الجزء الأكبر من الإجابة  يكمن في استثمار التنوع. أحياناً يكون الاستثمار مادياً كما في حالات الجزية التي كانت إحدى مصادر الدخل، وأحياناً الاستثمار في التسامح لدى بعض الأنظمة من أجل التسويق لنفسه. التقييم الأخلاقي لهذا الاستثمار غالباً يكون سلبياً كونه قائم على الاستغلال، لكن في النهاية  يسمح هذا الأمر بالحفاظ على بعض التنوع وحمايته. ما قام به تنظيم داعش أنه استثمر الأقليات بشكل معكوس، أي بعرض قدرته على اقتلاعهم وتغيير البنية الاجتماعية وتدمير مراكز العبادة، وباتت مناطق التنظيم مختبرات للاضطهاد على كافة المكونات الدينية وطريقة لاستعادة مجد تاريخي مزيف.

بعد كل نكبة دينية تبقى أقلية تعيد التأسيس ببطء لينمو التنوع مجدداً، لكن مساحة انتشار التنوع تنخفض باضطراد مع الزمن لتنحصر في أحياء صغيرة بالمدن الكبرى أو قرى معزولة. وإعادة التأسيس للمجتمعات المنكوبة شرق سوريا وشمالها تتطلب منهجاً أكثر عمقاً يؤسس لتسامح وليس سماح بالعيش.

الناجون من الإبادات في الوقت الحالي هم الناجون من المذابح أكثر مما هم نتاج التسامح الديني. لأن فعالية التسامح الشعبي يمكن التعويل عليها في حال كان صاحب قرار، وفي حال كانت هناك مؤسسات مدنية ذات حصة في معادلة التوازان الاجتماعي، وهذا يمكن تأسيسه فعلياً عبر سد منافذ التطرف الديني وإيجاد تعبيرات سياسية للاختلافات الاجتماعية فمنهج التعالي عن التسامح السائد حالياً مشكلة يمكن إزاحتها بالتأسيس لعقد جديد من التعايش بين المكونات، أساسه التساوي في الوجود أولاً، ثم التسامح، لأنه بدون المساواة في حق الوجود قد يتحول التسامح إلى سماح بالعيش وهي صيغة لا تؤسس لمستقبل اجتماعي مستقر.