أنواع العنف الاجتماعي

يُستخدم العنف وسيلة للتأثير على الآخرين، كسلوك غير سوي، إذ يُعرف العنف في علم النفس بأنه السلوك الذي يتسم بالقسوة والشدة والإكراه، و تستثمر فيه الدوافع العدائية صريحا كالضرب والقتل وتحطيم الممتلكات،
ويتوسع المعنى السوسيولوجي للعنف ليشير الى كل ما يربك النظام الاجتماعي والعلاقات القائمة بين أعضائه..
جوهر العنف هو استخدام القوة أو التهديد ضد الذات أو الأفراد أو المجتمعات، والتسبب في أضراراً أو إصابات أو وفيات أو إلحاق الأذية بالأفراد من قبل شخص أو جماعة معتدية.

إن أية ثقافة تقوم على النرجسية وتسرب إليها التسلط بأي وجه من وجوهه هي بيئة حاضنة للعنف، قد يكون قوامها قهر التقاليد، وقهر الأسرة، والقهر الاقتصادي والسياسي حيث تتطور شخصية الفرد تحت عنف شامل يمنع تفتحها، ويغلق مسارات التواصل مع الاخرين، وتنتج لدى الفرد عقلية متصلبة محدودة الأفق، ليكون البحث عن الجديد هو إثْم يستحق العقاب، تتولد عن هذه الظروف شخصية مفككة منطوية ومرتدة إلى الماضي، تغطي هذه الشخصية اضطرابها بأسباب قوامها التقاليد والمجتمع

رفض الآخر هو نتاج ثقافة عنفية، تغلق العقل وتحبط الانفتاح، وتتحول بطور نضوجها إلى صراع وعنف وعدوان
وتشتد وتتضاعف في ظل الاهتزازات الكبيرة في المجتمعات، وفي ظل أنظمة توتاليتارية ترسخ مبدأ الجمود الفكري وتسخر من سلطة القانون، ففي الحرب تتراجع سلطة القانون وتتراجع معه قدرة المجتمع على تنظيم العلاقات بين الأفراد مما يظهر العنف بوضوح ليصل لحدود تنويع الاشكال العدوانية ووسائل العنف، ويصبح الاعتداء على القانون مألوفا بين
أفراد المجتمع .

أنواع العنف الاجتماعي: 

أولاً: – العنف الأسري

يعد الأكثر انتشارا، ويكون نتاج عدم المساواة في توزيع الأدوار الاجتماعية، يتجسد في السيطرة من قبل الأب أو الأم أو أحد أفراد الأسرة، ويشتمل على سلوكيات التخويف والترهيب والحرمان والتهديد والأذى الجسدي والنفسي والجنسي وسلوكيات أخرى قد تؤدي للحرمان من أبسط الحقوق، وغالبا ما تُمارس هذه السلوكيات من جانب الزوج في مجتمعاتنا وذلك لتمركز السلطة في الهرم، ولأن الأفراد الآخرين لا يتمتعون بالقدرة والمكانه المصانة اجتماعيا لذلك يتم تناقل العنف من جيل لآخر.
يتعرض الأفراد إلى الأذى الجسدي الذي قد يصل إلى حالات الإصابة الشديدة أو إلى إعاقات دائمة. ولا يتوقف الأمر على الأذى الذى يحدث من جراء العنف على الأذى الجسدى فقط، وإنما يمتد ليشمل الاضطراب والخلل في العلاقات المختلفة ومن بينها العلاقة الزوجية داخل محيط الأسرة، وبالتالي الوصول إلى الطلاق أو إلى حالات الانفصال الزوجي، حيث تعيش العديد من العائلات انفصالا داخل الأسرة دون الطلاق ليتم الحفاظ على الشكل الخارجي للأسرة فقط.

لا شك أن الأطفال لهم نصيب كبير من الضرر الناتج إذ لا يمكن للأطفال الذين يعيشون داخل أسر تحدث فيها عملية العنف أن يكونوا أسوياء، فقد يتعرض الطفل للأذى لمجرد مشاهدته لعملية الضرب أو الشجار وهذا ما يجعل الطفل عرضة لعديد من الآثار النفسية والسلوكية.

ثانياً – العنف المجتمعي

يشمل العنف الجسمي والجنسي والنفسي الذي يحدث للفرد في إطار المجتمع الذي يعيش فيه سواء في العمل أو المدرسة أو أي إطار يتحرك فيه الشخص لممارسة حياته وقد يواجه ضمنه استغلالا وسوء معاملة، فالسلطة التي تمنح لبعض الأشخاص وغياب القانون الناظم، وبقاء بعض الأطر والمؤسسات الاجتماعية دون متابعة ورقابة يخلق مجالات واسعة للتعدي على الآخرين. 

ثالثاً – عنف الدولة

يشمل كافة أشكال العنف الواقع على الأفراد الذي تتغاضى عنه الدولة بشكل مقصود، الذي يكون هدفه إلحاق الضرر بمجموعة سياسية، أو تهميش جماعة على حساب أخرى فللعنف في أحيان كثيرة دوافع سياسية يتجسد في التدمير والإيذاء. والعنف الممنهج الذي تمارسه الدولة ضد أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وجنسهم عبر التعدي عليهم جسديا أوحرمانهم من الكثير من حقوقهم الأساسية، مما يؤدى إلى قهر الأفراد الأمر الذى يجعل من حدة العنف وتركيبته أمرا تصعب مواجهته.

رابعاً – العنف المبنى على النوع الاجتماعي

تكرس العوامل الثقافية والتنشئة الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة  الفوارق الإجتماعية المكتسبة بين الذكور والإناث وتحدد أدوار كل من الذكور والإناث من مسؤوليات وفرص وامتيازات وخيارات وقيود في كل ثقافة من الثقافات ويمكن تعريف العنف القائم على النوع الإجتماعي على أنه : “مصطلح شامل لكل فعل مؤذٍ يرتكب ضد إرادة شخص ما، ويعتمد على الفوارق المحددة إجتماعياً  (النوع الإجتماعي)” وأكثر مايمارس ضد المرأة في المجتمعات الذكورية السلطوية أفعال عنيفة تدفع إليها عصبية الجنس، ويترتب عليها أو يرجح أن يترتب عليها أذى بدني أو جنسي أو نفسي أو معاناة للمرأة، بما في ذلك التهديد بأفعال تعتمد القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية.

وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية العنف مشكلة صحية نظراً للإصابات الجسدية والعاهات الناتجة عنه وقد أشارت المنظمة أن الإصابات الناجمة عن العنف أو حوادث المرور أو الحروق أو حالات السقوط أو الغرق تشكل 10% من مجموع الوفيات و16% من مجموع حالات العجز، وتؤدي الإصابات إلى إحالة عشرات الملايين من الناس إلى قاعات الطوارئ في المستشفيات.

وفقاً لتقرير أممي فإن واحدة على الأقل من كل ثلاث نساء تعرضت للضرب أو الإجبار على ممارسة الجنس أو شكلٍ آخر من إساءة المعاملة خلال حياتها . لذا فتعتبر مشكلة العنف ضد النساء والفتيات مشكلة عالمية ، وتأثيراتها السلبية لا تنحصر بالنساء فقط بإعتبارهن ضحايا / ناجيات، بل تمتد لأسرهن ومجتمعاتهن ودولهن وتحد من التنمية والإنتاجية وتكلف الدول مليارات الدولارات لمعالجة آثارها المختلفة ، حيث تشير الأرقام الصادرة عن وكالات وهيئات الأمم المتحدة الى أن (50%) من الإعتداءات الجنسية بحق الفتيات تحصل لمن هن تحت سن الـ (16) عاماً ، وتعيش (603) ملايين إمرأة حول العالم في بلدان لا تعتبر العنف الأسري جريمة ، و (70%) من النساء أي (7) نساء من كل (10) يتعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي في مرحلة ما من حياتهن.