بناء السلام طريقا للتنمية ونبذ العنف

يعتبر بناء السلام من المفاهيم الحديثة التي ظهرت بعد فترة الحرب العالمية الثانية إذ نشأت وتنامت الحاجة لشيوعه بعد أن عانت شعوب العالم ويلات تلك الحرب الدموية، ازدادت على إثرها الفعاليات ضمن هذا الإطار من مؤتمرات وملتقيات وحملات مناصرة عالمية وكتبت مئات الدراسات والمؤلفات في هذا الصدد لا سيما بعد انتهاء ما سمي بالحرب الباردة وذلك بقصد معالجة أسباب الحروب والنزاعات والوقوف على العوامل المغذية لها.

   تفيد مصطلحات وطرائق عمل من قبيل ( بناء السلام – العدالة الانتقالية- فض النزاعات- الحوار المجتمعي) في  الابتعاد عن مسببات النزاع والحروب و تأصيل الأمن والسلام لدى الافراد والمجتمعات والدول الطامحة للتنمية والرفاه، والاستفادة من تجارب مجتمعات سبق لها أن خاضت تجارب النزاع، فبناء السلام يبدأ من وقف العنف وينتهي بترسيخ حالة السلام المجتمعي مرورا بتحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية عبر تهيئة المناخات المفضية للاستقرار، فالمجتمعات التي تنعم باستقرار وأمان نسبيين لا يصح تصنيفها من الوهلة الأولى في عداد الدول المستوفية للحد الأدنى من الديمقراطية والحريات وتوافر الأمن الشخصي  لا يعني بالضرورة وجود عدالة اجتماعية وحريات وتنمية مستدامة للمواطنين.

السلام القائم على التضحية بالحريات والعدالة الاجتماعية سلام منقوص واستقرار آني يحمل في جوفه بذور عنف سياسي واجتماعي سببه انعدام تكافؤ الفرص، وشيوع الفقر وتفاقم الانتهاكات التي تطال كرامة الإنسان وحريته إذ أن التضحية بهذه الخصائص – الكرامة والحرية – تأتي في سياق ما يسمى بالحفاظ على الأمن والاستقرار والسلام، وهذا ما نستطيع تسميته سلاما سلبيا أو سلاما آنيا.

يشكل غياب التنمية الاقتصادية عاملا آخر من عوامل عدم الاستقرار وتفاقم العنف في المجتمعات فهذا الغياب يرتبط ارتباطا وثيقا بالجهل والأمية وينمي الخيارات السلبية لدى الإنسان المفتقر لمقومات الحياة، فبدل أن ينعم الإنسان في بلاده بالتنمية المشتملة على فرص العمل والتعليم يكابد الحرمان والأمية وغياب العدالة وعلى هذه الشاكلة تسير أغلب بلدان المنطقة، ولذلك يتصاعد العنف فيها بمجرد تشكل حراك اجتماعي أو سياسي ويكون العنف في الحلقات الاجتماعية الأصغر وفي المدارس والعمل وفي العشوائيات والأرياف والمناطق المهمشة قائما و فاعلا من قبل لذا ينشا العنف السياسي حالما تتبدل الظروف، أو ترتخي القبضة البوليسية للأنظمة في مفصل ما، فالقضاء  على الاسباب الكامنة خلف العنف وتهيئة الأرضية المناسبة لإقامة سلام حقيقي تقتضي حدا أدنى من الشروط حتى يغدو السلم المجتمعي ثقافة عامة للمجتمع على اعتبار أن الثقافة هي الوعاء الشامل للقيم والعادات وأنماط العيش التي يدين بها الشعب، وكنتيجة تراكمية تخضع لتأثير عوامل سياسية واقتصادية بالاضافة الى عوامل تربوية ودينية.

لعل من أبرز نتاجات تلاقح العاملين السياسي و الاقتصادي هو جملة من المفاهيم  من قبيل “تكافؤ الفرص” و”العدالة الاجتماعية” و”الحرية الفردية” و”المساواة” و”التنمية الإنسانية والاجتماعية “هذه المفاهيم  التي افتقدها المجتمع ومازال يفتقدها بمعنى آخر جملة المفاهيم التي تشكل أرضية لبناء السلام قد ينتج عن سوء إدارة الملفات السياسية والاقتصادية جملة  من المشكلات المستعصية كتفشي كالفقر والتمييز وتآكل الطبقة الوسطى لذا تقفز التنمية وموجباتها إلى رأس الأولويات والتي لا تتحق ولو جزئيا بدون استقرار وسلام.

التنمية التي لاتستهدف الإنسان بعمق لايمكن القول انها تنمية حقيقية، وهي جزء من تمكين الانسان على مصاعب الحياة إذ لا سبيل إلى تمكينه دون افساح المجال أمام حريته الفردية وحقه في التعبير والرأي،  ووجود الفرد الحر هو شرط لوجود مجتمع حر قادر على السير نحو التنمية، وأي مجتمع تكون فيه الحريات العامة مصانة يمكنه الولوج بشكل سلس الى حق تكافؤ الفرص الذي يزيل كل عوامل الاختلاف والتمييز بين الأفراد، ويستأصل مسببات الخلاف والنزاع فيه، تلك المسببات الناتجة عن الشعور بفقدان الحقوق وغياب العدالة، ولا يعني مبدأ تكافؤ الفرص المساواة في الفرص التعليمية والوظيفية بقدر ما يدفع الفرد الى إدراك واجباته ومسؤولياته، ويستمد من المبدأ نفسه الرؤى والاليات التي تمكن الفرد داخل المجتمع من وضع حقوقه موضع التطبيق العملي فهذا الإدراك العميق يؤدي بالفرد الى تبني رؤى مجتمعية أكثر التصاقا بالجوانب القيمية والأخلاقية،كما  يساعد هذا المبدأ على إبراز المواهب التي من شأنها أن تدفع بعجلة التقدم المجتمعي الى الأمام والازدهار، يأتي تعزيز حالة التعايش بازالة موجبات الاحتقان بين الطبقات والشرائح المجتمعية ضمن سلم الأولويات فالفروق تلغى أو تخفف بارتكازها على المساواة والحق في الحياة الكريمة والتوزيع العادل للثروة، والمجتمع يبقى في ظل نظام العدالة كافلا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد، ويقضي على كل موجبات الفقر والتمييز ممهدا الطريق نحو تنمية حقيقية للإنسان والتي هي في جوهرها عملية بناء سلام مجتمعي مستدامة .