من آمالٍ بموسمٍ وفير إلى رمادٍ في مهبِّ الرّيح

مع بداية موسمٍ زارعي جديد، ينكبّ فلاحو الجزيرة على نثر بذار القمح والشعير في الحقول الواسعة والممتدة على آلاف الهكتارات من الأراضي.
معدلات عالية من الأمطار تكاد لا تنقطع هطولاتها على مدى أشهر الشتاء الطويل وحتى فصل الربيع، كانت سبباً باستبشار المزارعين خيراً بموسمٍ وفير الغلال، بعد أن وفّر عليهم المطر همّ شحّ السقاية في الأراضي البعلية وأكلاف وقود مستلزمات الأراضي المروية.
لكن كثرة الأمطار وزيادة الرطوبة، تركتا آثاراً سلبية على محصولي القمح والشعير في مناطق الجزيرة العليا(الشمالية) المتاخمة للحدود التركية، بعد أن انتشر بين الزرع أمراض فطرية كالصدأ والتعفّن وغيرها، سرعان ما تسلّل الخوف على وفرة الموسم بسبب تلك الأمراض.
لجأ المزارعون إلى رش المحصول بالمبيدات والأدوية الخاصة لإنقاذ أرزاقهم، لكن ضعف جودة المبيدات وغلاءها حالت دون القضاء الكلي على الأمراض التي حلت على القمح والشعير معاً.

همّ التسعيرة وبيع المحصول:

مع اقتراب موسم الحصاد، برزت مشكلة التسويق وتحديداً في التسعيرة، فالمزارعون ظنّوا أنهم سيُسوّقون محاصيلهم مثلما جرى في السنة الماضية إما إلى مراكز الإدارة الذاتية أو تلك التابعة لحكومة النظام السوري بذات السعر أو بأسعارٍ متقاربة جداً.
لكن الفرق والاختلاف بين تسعيرة النظام والإدارة الذاتية كان كبيراً جداً، فقد قررت الحكومة شراء القمح بـ 180 ليرة سورية للكيلو الواحد والشعير بـ135 ليرة، أما الإدارة فقد حددت 150 ليرة للقمح و 100 ليرة للشعير، لتعود بعدها وترفع سعر القمح إلى 160 ليرة، بعد أن لاقى السعر الأولي انتقادات حادة من جانب المزارعين الذين يشكّلون نسبة كبيرة في المجتمع، كما وقفت عدة أطراف سياسية مشاركة في الإدارة الذاتية إلى جانب الفلاحين مطالبين بمراجعة قرار التسعيرة.

سَبَقَ الحصاد حصادٌ آخر بمثابة الجريمة:

في الوقت الذي بدأ المزارعون والفلاحون يشمرون عن سواعدهم ويستعدون للحصاد رغم ما أصابهم من همٍّ لمرض المحصول من جهة وعدم رضاهم عن تسويق المحصول من جهة أخرى، أصدر تنظيم (داعش)، أمراً لخلاياه النائمة عبر صحيفته (النبأ) بحرق المحاصيل في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية.
في مشهدٍ دراماتيكي، شَهِدت مناطق شمال وشمال شرقي البلاد عموماً ومنطقة الجزيرة خاصة، حرائق هائلة التهمت حقول القمح والشعير قبل حصادها، وألحقت أضراراً هائلة قدّرها «سلمان بارودو» الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في الإدارة الذاتية بنحو (342883) دونم، و (27808) شجرة، فضلاً عن /6/ حصادات وجرارين زراعيين.
وأكّد «بارودو» في حديثٍ لمجلة (شار) أنهم عقدوا سلسلة اجتماعات لتقدير حجم الخسائر ومناقشة كيفية تعويض المتضررين .
وأشار الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة، أنهم سيُعوّضون المزارعين عن قيمة البذار والحراثة إضافة إلى التعويض عن الأشجار والآليات المحترقة، إضافةً إلى منح البذار للمزارعين كقرض للموسم المقبل.
واختلفت أسباب تلك الحرائق ما بين المفتعلة وغير المقصودة، إلا أنها كانت غريبة وفريدة مقارنةً بحرائق السنوات الماضية؛ بل أن العديد من الأهالي سمّوها (موسم الحرائق) بدل موسم الحصاد في إشارةٍ إلى كثرتها وانتشارها الواسع.

آثار سلبية على كامل مفاصل الحياة:

لم تقتصر الآثار السلبية للحرائق التي طالت المزروعات على خسارة الفلاحين لرأسمالهم وفوائدهم التي يجنوها من حصد المحاصيل؛ بل تكمل دورتها على مختلف مناحي الاقتصاد لاعتماد المنطقة على الزراعة كمحرك رئيس لدورة اقتصاد المجتمع الزراعي في مناطق الجزيرة.
يقول «خورشيد عليكا» الباحث الاقتصادي وعضو جمعية الاقتصاديين الكرد- سوريا لمجلة «شار» إن «لهذه الحرائق تأثير على الاقتصاد الزراعي وتراجع العملية الانتاجية، وبالتالي لها أثر عكسي على عملية التنمية الاقتصادية في سوريا بشكل عام إضافةً إلى تأثيرها على الأمن الغذائي، ولفقدان العشرات الآلاف من العائلات لمداخيلها السنوية، فهناك من يفقد محصوله وهناك من يفقد عمله، لأن جميع القطاعات الاقتصادية متكاملة، فأي خلل أو ضرر في أي قطاع اقتصادي سيكون له تبعات سلبية على بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى».
و يشير الباحث الاقتصادي، إلى أن «احتياطات المنطقة الكردية من القمح والشعير ستتأثر بشكل سلبي جراء هذه الحرائق، لكن لن تدخل المنطقة الكردية في أزمة أمن غذائي؛ لأن أغلبية إنتاج المنطقة الكردية ستبقى ضمن حدودها الحالية وإن المساحات المحترقة من الأراضي الزراعية تقدر بـ 50000 هكتار في المنطقة من مساحة كلية قدرها بحدود 900000 هكتار وهي ما تشكل نسبة تقديرية بحدود 5.55 % من إجمالي المساحة المزروعة المحترقة».
وبحسب «عليكا» فإن حاجة سوريا من القمح تبلغ سنوياً بين 2.7 حتى 3 مليون طن من القمح سنوياً، حيث أن متوسط إنتاج منطقة الجزيرة من القمح سنوياً تتراوح بين 40% إلى 45% من إنتاج سوريا من القمح وهي تبلغ الأولى في سوريا.
كما أن الجزيرة تستحوذ على النصيب الأكبر من زراعة الشعير البالغ زراعتها 28% وهو الناتج المرتبط بالإنتاج الحيواني.

التعويض إلى أين؟

ينتظر فلاحو ومزارعو الجزيرة أن تدفع لهم الإدارة الذاتية تعويضاً مادياً عن أضرار الحرائق، لكنهم لا يعلمون حتى الآن متى وكيف سيتم التعويض والمبلغ الذي سيتقاضونه عن كل دونم أو هكتار من القمح أو الشعير أو عن الأشجار والآليات، ورغم أن الإدارة عقدت عزمها على تعويض المتضررين وحددت معاييرها، لكن لم يصرف حتى الآن أي مبلغ للمتضررين جراء الحريق.

إغلاق