العنصريّة كما أشرحها لابنتي

محاورةٌ أفلاطونية لـمُعضلةٍ إنسانيّة

لعلَّ ما يُميّز كتابَ (العنصرية كما أشرحها لابنتي) هو، أولاً، مقاربتُه موضوعاً خِلافيّاً بحجم «العنصرية» مقاربةً تحاوريةً هادئةً عارضةً وجوهَ العنصريةِ المقيتةِ كلَّها أو جُلَّها في أقل تقدير؛ وهو، ثانياً، النبشُ في تاريخ الأمثلة العنصرية التي مُورِست بحق الأقليات والجماعات المختلفة ولا سيّما في القرن العشرين الذي أظهر العنصريةَ إلى العلن بعد أن كانت غافية تحت جمر أنقاض الزمن؛ فالعنصرية، بعبارة الكتاب نفسه، «تَكون حيثما يكون الإنسان» وفي أيِّ زمان.
ومن هاتيك الأمثلةِ ما ارتكبته النازيةُ من شنائعَ بحق اليهود والغجر في محرقة الهولوكوست المعروفة؛ ومنها ما حدث للسود في جنوب أفريقيا على يد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) الذي شَكّلت الأقلّيةُ البيضاءُ قِوامَه الأساس، وغيرُها من أمثلة تُضاف إلى موسوعة قارئٍ يَنشُد معرفةً أرحب في هذا الحقل المذمومِ؛ لكن الموجود بالفعل وإنْ زعم الزاعمونَ زوالَه واندثاره من صفحة الوجود مُتذرِّعينَ بوجود قوانينَ تُجرِّم العنصريةَ وأدواتِـها؛ قوانين يُضمِّن المؤلِّف نُتفاً منها في تضاعيف كتابه هذا.
يَتأتّـى الهدوءُ في هذا الحوار من بدئه، بين مؤلِّف الكتاب الطاهر بن جَلّون، الشاعر والكاتب المغربي – الفرنسي، وبين ابنته ذات السنوات العشر، الفضوليةِ ككلِّ طفل، التي تَعيش في باريس فتلمسُ العنصريّةَ بأشكالها المتعدِّدة حيث تَسكن وتَدرس، فتأتي أسئلتُها، إذاً، من وحي واقع مُعاشٍ وتَأتي أجوبةُ أبيها مِن وحي مَن عَجنتْه الحياةُ بِرَحى تجاربها فيَتوسَّل بأسلوبٍ سهل سلس مُوضِّحاً لها أنّ العنصرية ليست تَقلُّباً مناخيّاً أو حُمّى عابرة وأنها جزء من كيان إنسان مُتيقّظ يَتحايل على القانون؛ إنسانٍ يَرتاب في الآخرين ويَحمِل لهم في حناياه كراهيةً ظانّاً أنّه أرفعُ منهم شأناً متفوِّقٌ عليهم وأسمى بعرقه الأصفى ولون بشرته الأجمل وذكائه الأكثر اتّقاداً، لا لشيءٍ إلّا لأنّ هؤلاءِ الآخرين يَختلفون عنه مَظهراً وحضارةً ولغةً وديناً، فيَرى العنصريُّ الأنانيُّ في الآخر خَطَراً يَتهدَّد أمنَه فيُعاديه عداءً نابعاً من خوفه من الآخر الغريب ومن جهله به ورفضه له، ما يُفضي بالعنصري إلى عَدِّ المختلِف عنه جحيماً لا خَلاص منه إلا باحتقاره ونَبْذه وطرده. فيَحدُث نتيجةً لذلك ما يَحدُث من حروب وفظائعَ وإباداتٍ جماعية.
ثم لا يَقتصر هذا الحوارُ على المؤلِّف وابنته بل يَمتدُّ، بعد أن صَدَر في كتابٍ تُرجِم إلى عَديدٍ من اللغات وقُرِئ فيها، إلى محاورته تلامذةً آخرين في مدارسَ ومعاهدَ كثيرةٍ في أكثرَ من ثلاثين دولةً سافر إليها مُرهِفاً السَّمْعَ إلى رؤاهم للعنصرية وممارستهم إيّاها قاصداً من وراء ذلك الوقوفَ على هذي الإشكالية الواقعيّة كما هي.
مُبيِّناً لهم الطرقَ الأنجع في إيجاد الحلول لهاته الآفة الكونية التي لا يَبقى أحدٌ بِـمَنأى عنها والتي لا تُبْقي ولا تَذَرُ على أحد إنْ لم يُزَمَّ لِـجامُها؛ فجاءتِ الأسئلةُ بريئةً واقعيةً وجاءتِ الأجوبةُ تَـنمُّ عن حكمةٍ وحنكةٍ في معالجة هذا المرض الزُّؤام أو هذي «الرطوبة التي يَنهار معها المنزلُ بمرور الوقت» وفق تشبيه جميل أَطلقه أحد التلاميذ عن العنصرية.
صحيحٌ أنّ المؤلِّف يَعرِض لموضوع العنصرية في كثير من الدول كألمانيا ومَقتلة اليهود فيها، وأميركا وما عانى الهنود الحمر من عَذابات مُنبثقة من التمييز العنصري، إلّا أنّه يَلْوي عُنُقَ اهتمامه الأكبرِ صَوْبَ فرنسا، حيث يَفْقَه مُبطّناتِ مجتمعه وكيف يَنظر إلى المهاجرين الفقراء، ولا سيّما المغاربة والجزائريِّونَ، وكيف يَتعاملُ معهم. ويُقدِّم علاجاتٍ لو تَحقَّقت لقَلّصت، برأيه، من التمييز العنصري في فرنسا ولَأَمكن سَريانُها في غيرها من أصقاع الأرض فسَرى فيها ضَرْبٌ مقبولٌ مَنشودٌ من القبول بالآخر.
فيُركِّز على غرس المحبّة في الأطفال إيماناً راسخاً منه بأنْ لا يُولَدُ الإنسانُ عنصرياً بالفطرة؛ بل يُتحوَّل إليها إذا لم يَتعلَّمْ، ببرنامج تربوي مَدروس، التعايشَ الـمُكتسَبَ بوساطة تثقيفِ ذاتٍ لا تَرى بأنها الوحيدة في هذا العالَـم بل يُتلَى عليها أنّ هناك آخرَ مثلَها.
ومن العلاجات أيضاً السفرُ؛ فهو، بعبارة محيي الدين بن عربي، «قَنطرةٌ إلى ذواتنا» وذوات الآخرين بلا ريب. وكذلك التزاوج مع الغريب وما يَنتج عنه من رأبٍ لصدعٍ وهميٍّ سرعانَ ما يُزال بالدنوِّ والتلاقح والاندماج والخروج من الانكفاء على الذات، فتُرفَض الأفكار الجاهزة وتُفكَّك الأكاذيبُ والصور النمطية المغلوطة ويُنْأى عن التلفُّظ بعبارات مسيئة، فمكافحة العنصرية تبدأ بالعمل على اللغة. والأهمُّ من ذلك كلِّه القولُ بالجنس البشري المتنوِّع الذي لا أعراق فيه.
وثَـمّة إثباتٌ آخرُ على هذه المحاورة الأفلاطونيّة يَكمن في إدراج المؤلِّف وابلاً من رسائلَ نقديةٍ وُجِّهت إليه آخذةً عليه شرْحَه العنصريةَ لابنته اللاعنصرية مُطالِبةً إيّاه بشرحها للعنصري نفسِه، فيَتقبّل المؤلِّفُ الانتقاداتِ جميعَها بصدر رحب مُصوِّباً أفكاراً له كانت قد حادَت عن جادّة الصواب مُدافعاً عن بعض ما يَزال يَراه صائباً مُحاجِجاً مُبرهِناً بالبيّنات.
بعد ذلك بسبع سنوات، يَعود المؤلف مرّة ثانية فيحاور ابنته فيلاحظانِ معاً أن العنصرية تفاقمت وتَعمّمت في هذا الفاصل الزمني؛ فهل كانت هذه السنواتُ عجافاً ولم تُؤْتِ مَساعيه ومَرامي كتابه أُكُلَها؟ وهل كان الجهلُ وحدَه هو السببَ وراء العنصرية؟ يبدو أنّ للخطاب المعرفي أيضاً دوراً في تنمية مشاعر العنصري حيال الآخر، إذْ نرى بعض المتعلِّمين، غير الجاهلين، عنصريِّين أيضاً. ومَردُّ ذلك إلى أنّ الثقافة، بما هي معرفة وعلم ودراسات، لا تتماهى دوماً مع مفهوم الخير والتقدّم.
وقبل أنْ تُقفَل أبوابُ الكتاب على ثيمة العنصرية، تُطالِعنا مقالاتٌ للمؤلِّف وشيجةُ الارتباط بها نُشِرت في مختلف الصُّحُف الأوروبية، يَتطرَّق فيها إلى مواضيعَ تُشكِّل هواجسَ تَقضُّ مَضاجع المهاجرين المختلفين كما تُقَلقِل أرضَ حكومات الدول الـمُستضيفة سواءً بسواءٍ. من ذلك «الهجرة والهوية الوطنية» وتشابكاتها العويصة إلى حدٍّ كبير؛ فالهويّةُ أولاً وأخيراً «نوعٌ من الأمان الداخلي». و«مقاطعة وعنصرية» وما فيها من دعوة صارخة إلى «النظر إلى الحقيقة مباشرة ومقاومتها» ومن إنباءٍ بأنْ «لا عنصريّةَ انتقائيةٌ»، وبعبارة أُخْرى لعلَّها تَكون أَبْينَ: «عندما لا نحبّ العرب يَعني أننا لا نحب اليهود أيضاً ولا السُّود والغجر». وتَقتطع «الخوف من الإسلام» حيّزاً لها وما فيه من تَشعّبات نحو القضية الفلسطينيّة والإسرائيلية وتأثيرها في الرأي العام الإسلامي والغربي واستتباعاً لذلك في إلهاب أُوَارِ العنصرية وسَعيرها.
خِتاماً، ممّا قد يُسجَّل على الكتاب أمران: أوّلُهما تركيزُه على الغربي العنصري وربط العنصرية بالاستعمار وبالخطاب السلطوي والمعرفي في آن، وعدمُ إشارته، غافلاً أو متغافلاً، إلى واقعه الـمَعيش في هذا الباب في دول المنطقة العربية في تاريخها، قديـمِه والحديث. وثانيهما أنّ المؤلِّف لا يَقف على العنصريّة الموجودة بين شعوب تَعيش في بلد واحد لا حضور للمهاجرين فيه؛ وإذا ما اكتفينا هاهنا بضَرب مثال واحد لَأَطلّ علينا المغرب، والمؤلِّفُ ذو أَرُومةٍ مغربية، بمشكلاته العالقة بين العرب والأمازيغ التي تَرْقى إلى حدِّ العنصريّة لم يَأتِ عليها.

إغلاق