الإعلامُ السّوري المعارِض.. من نقلِ الحدث إلى تأجيج الحرب الأهلية

قد يكون الاصطفاف في النزاعات والحروب مسألةً سهلة، كما أن العمل على  استمرارية هذا الاصطفاف، مهمةٌ سهلة لأيِّ فردٍ أو مجموعة أو مؤسسة، غيرأن الصعوبة تكمن في التوازن والبقاء خارج دائرة الاستقطاب الطائفي أو العرقي أو المذهبي، خاصةً إذا كان الهدف هو الإسهام في إنهاء النزاع، أو التخفيف من آثاره الاجتماعية والسياسية.

في الحالةِ السورية، انزلق المنتفضون على النظام السوري إلى هاوية الصراع العسكري المسلح الذي أفضى إلى آثارٍ كارثية ووضعٍ معقّد، مع تعدّد محاور النزاع ورؤوسهِ ضمن المشهد السوري، بعد أن سخّر كل طرفٍ ماله، وارتباطاته وأسلحته لضرب الخصوم. 

ولعل السلاح الأكثر تأثيراً حتى من البنادق والدبابات، كان سلاح الإعلام، إذ أنشأ الإعلاميون السوريون مؤسساتٍ إعلامية خارج دائرة الإعلام الرسمي الخاضع للسطوة الأمنية، كان الهدف حينها إنشاء إعلامٍ بديل عن الإعلام الرسمي وكذا عن الإعلام الخاص المدجّن لصالح الأول.

وقتئذٍ؛ انطلقت مجموعةٌ كبيرة من المؤسسات الإعلامية المعارِضة والتي سُمّيت بالإعلام السوري البديل، حاملةً شعاراتٍ براقة عن حرية الإعلام و مجابهة التسلّط ومصادرة الحريات، غير أنها ومع تطوّر الأحداث، بدأت تحذوا حذو مؤسسات النظام السوري الإعلامية، وفشلت  في الوظيفة التي أُنشِأت لأجلها.

عملت تلك الوسائل بانتقائيةٍ واضحة في نقل الأخبار، ولجأت للتدليس وتزوير الحقائق في أحايين كثيرة، ووفق ما تُمليهِ سيطرة بعض الجهات أو الفصائل العسكرية عليها أو نتيجة دخولها في خدمة استخبارات دولٍ إقليمية، لتعمل وفق أجنداتٍ مرسومة تنتجها مطابخ الإسلام السياسي أو الفكر العروبي المتعصّب الرافض للآخر المتمايز.

في نقلها للشأن الكردي، اعتمدت المؤسسات الإعلامية السورية المُعارِضة، بمختلف انتماءاتها، نهجاً عدائياً ضد الكرد، مُستخدمةً صوراً نمطية وتُهماً جاهزة توصم بها أيّة محاولةٍ كردية للظهور ضمن المشهدين السياسي والعسكري، ودوماً بحجة أن المقصود هي قوات سوريا الديمقراطية أو وحدات حماية الشعب وليس الكرد، وهذا ما لم تنجح فيه أيضاً تلك المؤسسات، فالكرد في الغالب، وإن كان من بينهم من يُعارض الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، لكنهم لا ينظرون إليها كعدو، ولا كمجموعاتٍ منفصلة عن المجتمع الكردي.

بل هي القوة العسكرية الوحيدة التي تدافع عنهم أمام الأطماع التركية في احتلال مناطقهم وإجراء عمليات تغييرٍ ديمغرافي فيها وفرض التتريك، استكمالاً لما بدأته في عفرين وقبلها في مناطق جرابلس، أعزاز والباب.

يؤكد غالبية الباحثين في تأثير تفشي خطاب الكراهية وتأثير وسائل الإعلام على المجتمعات التي تعيش حروباً أهلية؛ بأنّ المجتمع السوري اليوم أكثر هشاشة من أيّ وقتٍ مضى، وهذا ما يؤكده خطاب الإعلام المعارِض بعد عملية (نبع  السلام) التي أطلقها الجيش التركي بالاشتراك مع فصائل إسلامية تتبع المعارضة.

وسائل الإعلام السورية المحسوبة على المعارضة، بما فيها التابعة لدولٍ عربية والتي تدور في فلك سياسة أنقرة، تبنّت ذرائع الدولة التركية، فصارت تغضّ الطرف عن كل الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها القوات التركية والمتطرفون السوريون الموالون لأنقرة، وتقدِّمهم على أنهم محررين وجالبي الأمان للمنطقة، في مقابل وصف قوات سوريا الديمقراطية بـ «المعتدية والمغتصبة» التي تقتل الناس، وتستهدف العرب دون غيرهم.

عَمَدتْ بعض المراكز والمؤسّسات الإعلامية لتقييم الحالة الإعلامية، ولا سيما مسألة خطاب الكراهية بمزاجيةٍ فاقعة متأثّرة في ذلك إما بدافعٍ عنصري أو بمساعيها للحصول على الدعم، فكانت منهجية بحثها وتقييمها منقوصةً وغير دقيقة، وهذا ما حصل مع (المركز السوري للإعلام وحرية التعبير) في دراسةٍ أصدرها قبل أشهر، قسّم خلالها وسائل الإعلام السورية إلى ثلاثِ مجموعات (إعلام النظام، إعلام المعارضة والإعلام الكردي) وهذا التقسيم بحدّ ذاته يحمل بين طياته شيئاً من نشر خطاب الكراهية. 

في المحصّلة، خلصت إلى أن المؤسسات الإعلامية الكردية تأتي في المرتبة الثانية بعد إعلام النظام من حيث بث خطاب الكراهية، واعتبار توصيفات مثل  (الاحتلال التركي وغيرها) مصطلحات تندرج ضمن خانة المصطلحات الداعية للكراهية، بحيث غض الباحثون في المركز الطرف عن الكم الهائل من الكراهية التي تبثها المؤسسات الإعلامية المحسوبة على المعارضة، خاصة في استهدافها للكرد، والتجييش والتحريض ضدهم. 

للدلالة على استفحال خطاب الكراهية في الإعلام السوري المعارض، يمكن أخذ برنامج (تفاصيل) الذي تعرضه قناة (أورينت) كعيّنة نستطيع من خلالها رصد آلية عمل معظم وسائل إعلام المعارضة في التعاطي مع القضية الكردية في سوريا، وخاصة خلال فترة العدوان التركي الأخير على مكونات شمال شرقي سوريا، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن سويّة ظهور خطاب الكراهية متفاوتة ما بين وسيلة إعلامٍ وأخرى.

البرنامج مدته ما يقارب /50/ دقيقة، يستهلّه المُقدِّم بتوطئةِ في كل حلقة مدتها نحو ست دقائق، يطرح من خلالها تساؤلاتٍ عامة، فمن خلال رصد آخر ثلاثِ حلقات متعلقة بالشأن الكردي، تنحصر تساؤلات التوطئة هذه في توجيه الشتائم بشكل غير مباشر، ونعت قوات سوريا الديمقراطية التي تسميها قناة (أورينت) إما ميليشيات (قسد) أو الميليشيات الكردية حسب الحاجة، إضافة لتأكيد ما يُشاع وما يُنشر حول انتهاكاتٍ تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية، وحتى الآن  لا تنشر الوسيلة المذكورة أو لا يذكر مذيعوها سوى شواهد لا تعدو كونها تمثيلياتٍ مُعدّة في مناطق سيطرة المتطرفين المدعومين من تركيا، ويصرّ مُقدّم البرنامج على أنها حقائق حدثت على الأرض دون التحقق منها أو ملاحظة حجم التمثيل الظاهر فيها.

وكمثالٍ على ذلك، عرضت مقاطع فيديو على أنها لمقاتلين من (قسد) يُعذّبون مدنيين عرب في مناطق سيطرتهم، وقد ثبت زيفها واتضح أنها أُعدّت وصُوّرت في ريف مدينة جرابلس الخاضعة لسيطرة ما يسمى (الجيش الوطني السوري) لتشويه صورة مقاتلي (قسد) في الإعلام. 

بعد توطئة المُقدّم، يأتي دور التقرير الذي  يكون دوره فقط التأكيد على ما قاله المُقدم (الجهبز)، مع عرضٍ لذات الفيديوهات، كما تعمد المحطة ذاتها نشر فيديوهات لا علاقة لها لا بقوات سوريا الديمقراطية ولا بسوريا، كالفيديوهات التي نُشِرت لقيادات من قوات البيشمركة أثناء عملية احتلال (كركوك) من ميليشيات الحشد الشعبي، وقدّمها تقريرٌ في برنامج (تفاصيل) على أنها لقادة في قوات سوريا الديمقراطية وهم يبكون بعد خيانة واشنطن لهم وانسحابها من سوريا.

بعد التقرير، ينتقل بنا المُقدم للترحيب بالضيوف، وهنا تبرز معضلة أخرى، وهي الضيوف، ففي آخر حلقةٍ عرضتها القناة والمتعلّقة بالشأن الكردي، استضاف البرنامج شخصاً تم تقديمه على أنه كاتب وخبير أمني، والمتوقّع من صفة الضيف، أن يقدم حقائق وتسريبات وتوضيحات ومدى صحة الفيديوهات التي نُشِرَت على أنها انتهاكات لقوات (قسد) بحق المدنيين. 

لكن ما فعله الضيف طوال الحلقة، هو تقديم مجموعة من المعلومات المغلوطة وبأسلوبٍ ارتجاليٍ ركيك وتكرارٍ لجُملٍ حفظها، جُلّها تهجّمٌ على قوات سوريا الديمقراطية وعلى الكرد، وكمثالٍ على المغالطات التي قدّمها، ما قاله من كلام ونَسَبَه لمنشورٍ على صفحة الفيس بوك الخاصة بالقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم عبدي”.

وتفنيد ما جاء به الضيف (الكاتب والخبير الأمني) أمرٌ بسيط، وهو أن  “مظلوم عبدي” ليس له حساب على موقع فيس بوك أساساً بل يوجد حساب تويتر وحيد وموثّق وتم تفعيله مؤخراً، وهو الحساب الوحيد له على مواقع التواصل الاجتماعي وبقي (الخبير الأمني) خلال تلك الحلقة يدافع عن نظريته في نَسبِ تلك التصاريح المغلوطة لقائد (قسد) دون أن يسأله مُقدّم الحلقة عن موثوقية معلوماته أو مصادره.

ولتخلق (أورينت)  انطباعاً لدى المشاهد على أنها تأخذ جميع الآراء، تستضيف دوماً كاتب أو سياسي أو صحفي كردي، لكن تعاطي مقدم البرنامج مع الضيف الكردي يكون فظّاً واستفزازياً وفي معظم الأحيان جارحاً، على عكس باقي الضيوف الذين يكونون في العادة من ذوي التوجّه العنصري تجاه الكرد أو ممن لديهم أحكام جاهزة وتُهم مسبقة عن الكرد أو عن قوات سوريا الديمقراطية. 

حتى أن محاولات الفصل بين الكرد وبين قوات سوريا الديمقراطية تبوء بالفشل لدى (أورينت) ومقدمي برامجها وضيوفها بمجرد وصف وحدات حماية الشعب أو قوات سوريا الديمقراطية بالكردية، مع أن الدلائل الملموسة على الأرض توضّح أن عدد المقاتلين العرب في صفوف (قسد) يقارب عدد المقاتلين الكرد وربما يفوقهم في التعداد، بعد أن انخرط الآلاف من أبناء عشائر دير الزور والرقة في صفوف تلك القوات.

يعمد مُقدّم البرنامج طوال وقت الحلقة على التعاطي مع الضيف الكردي على أنه المُتّهم الذي يجب أن يدافع عن نفسه، بتوجيه الأسئلة بأسلوبٍ تشكيكي وتهجّمي، وبتعمّد المقاطعة دون احترام للوقت المخصص له، فيما يترك المجال لباقي الضيوف للحديث بحريةٍ مع تبني أيّة تهمة يلصقون بالكرد أو بقوات سوريا الديمقراطية.

في مطلق الأحوال، لا يمكن الاستهانة بمؤسسةٍ كقناة (الأورينت) من حيث عدد المتابعين لها في المجتمع السوري، وبالتالي تأثيرها المباشر على العقل الجمعي لمتابعيها، خاصة أولئك الذين يعيشون في مناطق سيطرة فصائل المعارضة والمجموعات المتطرفة التي لا تنفك آلتها الإعلامية على تجييش الناس ضد الكرد وقوات سوريا الديمقراطية وتقديمهم على أنهم العدو المطلق لهم.

خطاب الكراهية الذي تنشره (أورينت) عبر برامجها عامة، وبرنامج (تفاصيل) خاصة، ليس بالأمر الاعتيادي الذي يمكن غض النظر عنه، خاصةً إذا ما أخذنا بالحسبان الشريحة الواسعة من المتابعين لها، إضافةً إلى ما تقدمه من مغالطات من شأنها أن تزيد الشرخ بين مكونات الشعب السوري، وبذلك يكون لها أثرٌ مستقبلي على العلاقات بين هذه المكونات، وعِوضاً أن تكون وسيلةَ إعلامٍ تخدم أسس العيش المشترك، اتجهت لقرع طبول الحرب الأهلية بقوةٍ وإصرار.

إغلاق