أبي النَّازحُ في المدرسة – (صوَر 2019)

«لا تبنِ لك بيتاً وإلَّا صرتَ بيتاً ومن يقبعُ في البيت يكن بانتظارِ الزائر المتأخر ليفتح له»… (غونتر غِراس)

أرى صورةً على موقعٍ إلكتروني، طفلٌ يدوِّن على لوحٍ داخل غرفةٍ في مدرسةٍ كانت قديماً تأوي تلاميذَ، -الآن تأوي ذويهم النازحينَ-، مفردةَ “أبي”، يدوِّنها بقلمٍ مختلفٍ عن الطباشير القديم الذي كان رذاذه يؤذي النَّفَسَ الصغيرَ واللطيف، أطوي صفحة الموقع وأعودُ إلى الرؤيةِ الواقعيَّة، أرى ما لا يمكنُ لأحدٍ أن يراهُ أو أن يشعرَ به، الإنارةُ في شارع السياحي الممتدّ تولِّدُ غُباراً يعلو نحو السَّماء، يعلو فلا أُبصِرُ خيوطَ الغبار التي كانت في مرمى يدِ الطفل الذي كُنتُه، أرى الشارعَ مُغرَقَاً في دمِ الرَّاياتِ المختلفة، عربات الأجرةِ الصفراء بَهُتت حركتها منذ أوِّل شرٍّ سقطَ حِمماً من الطَّرَفِ الآخر للحدود.

أوراقُ حَظِّ النَّازح:

تقولُ لي العجوزةُ من سرى كانييه، كانت المياه شَحيحَةً ولَزِجةً كحظوظِنا في الحسكة، بقينا هناك شهراً كاملاً تتأرجحُ أبصارُنَا بينَ لزوجَةٍ وترابٍ مخلوطٍ بماءْ، تقولُ وهي الممسوسةُ بالخوف والغدر، تتفرَّسُ ملامحي كمن يستنطِقُ الآخرَ: «لقد رأيتكَ سابقَاً، ولكن أين؟»، أعكِّرُ صفوَ تفكيرها فأنسحب، أكرِّرُ مشاهدَ سرى كانييه وأُعيدُ ترتيبها استناداً إلى صورِ أصدقائي القُدامى، أو ربمَّا استناداً لذاكرتي وهي منهمكةٌ في التأليف، ها هُنَا في الصَّورةِ الأولى من أدراجِ المخيَّلَةِ، رجلٌ يحملُ أكياسَ الطّحين، وآخرُ يبيعُ أوراق الحظِّ إلى المارَّةِ بتؤدَة من يُساقُ إلى حبلِ المشنَقة، وصورةٌ للطريقِ المدجِّجِ بشاحناتٍ صغيرةٍ مليئَةً بأسرَّةِ أطفالٍ رُضَّعٍ.

تَثِبُ إلى ذاكرتي البيوتُ المرقَّمةُ والحوانيتُ الصَّغيرة، عُلُب أسلاكِ الهواتف وضجيجُ السِّوق، أحاولُ ألَّا أبكي وأن أربّي الزَّهرةَ التي تعفَّنت في دماغي، قائلاً لذاتي: «لا بأس، الزَّهرةُ تبقى كما هي حتَّى وإن كانت متعفِّنَةً، لها مصيرها يوماً ما، لها مَن يُداويها من العَفَنِ».

تصوير: شيرزاد سيدو

خيمةُ النَّازح

اعتدتُ طيلةَ ثمان سنواتٍ مضَت، أن أكونَ جاراً لنفسي، أو لعلّه منزلي في الطابق الرَّابع هو الذي جارَ على نفسه وكانَ وحيداً، الآنَ تغيَّرَ كُلُّ شيء، تغيَّر المكانُ، باتَ أجمل، أن تفتحَ البابَ صباحاً وتُبصِرَ أحذيةً مقلوبَةً فتتذكَّرَ التشاؤم، تتغلَّبُ عليه بأن تُعيدَ الحذاء إلى وضعيَّته الصَّحيحة، لعلّ القِوى الإلهيَّةَ تكافئُ على رأفتكَ بحذاءٍ يتعَبُ، حذاءٌ أُتْعِبَ من المسير والفرارِ من الهَلَاك على يدِ الطّواغيتِ.

النَّازحُ الشَّهيد:

أُدندِنُ أغنيةً عن الشهيد وسَط صوت نشرة الأخبار الهادرة في بهوِ المنزل، تستوقفني أعدادُ النَّازحينَ التي تَغلي في قلبي، أكادُ أدَعُ كُلَّ شيءٍ عن يَديَّ، وعن قلبي كذلك، كمن يَدَعُ سنيَّ عمره ببساطةٍ طفوليَّة، لأنهمك في العَدّْ، أن أحدِّد الاتجاهات التي سلكتها كلُّ تلكَ الأرقام، أتخيَّلُ النَّاس مجرَّدَ أرقامٍ تسيرُ، منها على أرجُلِها ومنها في مؤخَّراتِ الشَّاحنات الضخمَةِ مقتعِدَةً بردَ المعدَنِ وبمواجهَةِ رياحَ الشرقِ القادمةِ من بعيد.

النَّازحُ الحالِم: 

ينهمكُ الموظَّفُ في ترقينِ الأسماء على ورقةٍ، أرى الشكل المتَّفق عليه للورقةِ البيضاء، جداولُ وأرقامٌ إلى جانب الفراغ المخصَّص للأسماء، تليها ورقةٌ أخرى تحملُ الصورَ الوسيمَةَ للنازحين، وإلى جانب كلّ هذا، أُبصِرُ كالحالِمِ صورتي، كذلك الخيمَةُ البعيدةُ التي بناهَا العالَمُ للنَّازحِ مُدَّعياً الرَّأفةَ، تكادُ أن تنهارَ فوقَ رؤوس تُجَّار الحرب وتجَّار الأرقام، فقط صورَةُ وحيدةٌ باستطاعتها وضعَ العالَم كلَّهُ وحَشرَهُ في زاويَةٍ: الطفلُ ذو الثياب الرثَّةِ وهو يرفع إصبعيه شارةً للنَّصر المؤجَّل.

زهرةُ موتِ النَّازِح

تكشّفت الجثامينُ، أجسادٌ غضَّة تمرّ كل أسبوعٍ مَحمولَةً على نعوشٍ، يتوقّف الأب محنيَّ الرأسِ أمام باب المسجد في انتظار الغَسل أو “الطهارةِ” كما يروَّج عن الأمر، يُتمتمونَ ويبعثونَ التحَايَا لذكرى الميّتِ الممدَّد: «إنّهم يؤوبونَ إلى غيابهم»  قالت أمي، وكنتُ أتأمَّلُ مكبِّر الصوتِ أعلى القبَّةِ الخضراء يصدحُ باسم الميِّتِ الذي كانَ قد استدانَ علبة سجائر من الحانوتِ نهايةَ الحيّ، غفرَ لهُ صاحبُ الحانوتِ ممتعضاً، كيف لي أن أطالبهُ الآنَ وهو في مكانٍ لا يحتاجُ فيه إلى الشراء؟. كلُّ الأشياء الصغيرةِ داخل قلب الميِّتِ تبقى حيث هيَ، يحملونه، ومن ثم يسيرونَ خلفه جَمعَاً، يوصلونه إلى المكانِ/ الأزلِ، يفتحونَ راحات أكفّهم ويتمتمون مرَّةً أخرى: «لا ينبغي ترك الميت وحده» قال أحدهُم، وهو الموحِشُ مُنذ أن غادرَ المأوى، تتلقّفه يدُ التراب الآنَ كـ أبٍ يتلقّف طفلهُ من يدِ الأمِّ وهو يتهادى في النزول.

يودّونَ قول شيءٍ له، أن يسألوه عن دمهِ، وعن صورهِ القديمةِ، وعن أطفاله خارجَ الحفرةِ/ القبرِ، ينسونَ بغتةً الأمرَ، ويتذكَّرُ كلٌّ حفرتهُ القادمة، يتأكّدون باستراق النظرِ العميقِ إلى الداخل، لا مساحةَ لجلبِ الأواني التي نحبُّ، ولا مكانَ لتلفازٍ أو مكيِّفٍ، ضيقٌ وضيقْ. وحدهُ من حفر الحفرةَ، يبتسم، يضيفُ خطّاً مائلاً بقلمِ الرصاص على الروزنامة، يحملُ عدّته ويمشي بضعَة أمتارٍ ليسقي زهرةَ الموتى.

سوريا الأمس والغَد 

رقّموا الأمواتَ من الصفرِ إلى المائة، احتاروا من يكون الأوّلَ في القبر، منهم من تَشَبّهَ بالميَّت كي يصيرَ رقمَاً، ومنهم تكفّل بحملِ النعوشِ كلّ موتٍ، ومنهم من غافلَ الحاجز العسكريّ بعد أعوامٍ طويلَةٍ من السيرِ الوئيد، قَضَى المَوتَى حياتهم وهم يُشْهِرونَ بطاقاتهِم الشخصيَّة في وجوهِ العساكرِ والعالَمِ، أرقامٌ… أرقام..، لم يحملوا سكاكينَ أو رصاصاتٍ أو مسدسَّات، تأبطّوا أوراقَ السفارات وحجوزاتَ الفنادقِ الحقيرة: «أخذوا منّا أطفالنا ورموهم في البحار الجائعة» قالوا.

أنا كنتُ في غفلةٍ، أو ربمَّا ادّعيتُ الحزنَ لعلّني أصِلُ إلى رقمٍ، أو أرقَّمَ مرَّةً، يحملونَ القلمَ الغليظَ ويدوّنونَ على جبهتي أربعة أرقامٍ في أربع خاناتٍ، رآهُم العالمُ كلُّهُ عراةً، – رأيتهُم كذلكَ -، لم يبقَ أحدٌ إلّا ورأى دماءَهم تسيلُ في الشوارعِ، بقلوبهم رمّموا الجرحَ ومن ثمّ أوصدوا الأبوابَ وماتوا.

أبي النَّازحُ في الصُّورة

تكادُ تتماثلُ الأيَّامُ في مَشيها نحو حتفها، تولَدُ، تنمو، تشبُّ وتصيرُ كهلةً، ومن ثُمّ تعودُ إلى نومها الأزليّ، بتلكَ الطريقَةِ تتشكَّلُ الصورُ وتبقى كما هيَ، ربمَّا تُمحَى، أو يخالُ للمرء أنَّها كذلك، سوى أنَّها لا تلبثُ أن تحيَا بقسوةٍ أشدَّ في كلّ حياةٍ جديدةٍ طارئة. الأبُ – في الصَّورةِ التي بالأبيضِ والأسود –  يحملُ على كتفه شبكة الصيَّاد الملوَّنة، وفي الصورةِ الأخيرة يحملُ خيمته ويرفعها عالياً في وجه الأفق، لا فرقَ جوهريَّاً بين الصّورتَين، بيدْ أنَّ الترابَ الذي يحتضِنُ الصُّورتَين الآن مختلف.

Reuters
Reuters

سري كانييه 2009 – 2019

كانت صورةً أخيرة، تلكَ التي رُسِمَت في مخيّلتي، وبقيَت كما هيَ حتَّى اللحظة، سوى أنَّ صوَر الرّاهن، تعود لتعمِّمَ السَّوادَ الأزليّ الذي يلاحقُنا كما الموت المُحتَّم، موتٌ نعودُ به إلى الحياةِ ربَّما، أو لعلَّهُ إمعانٌ في تكوينِ صُوَرٍ أُخرى.

إغلاق