الحملة 11.. حرب إبادة على الشّهود الأواخر في ميزوبوتاميا

مطلع القرن العشرين، أو قبل نحو مئة عامٍ بالتمام، نشر عالم الاجتماع الطوراني “زيا كوك ألب” عدة مقالاتٍ حول المجتمعات المحلية العثمانية، وطريقة التصرف معها، ضمن مساعي تشكيل دولةٍ قائمةٍ على عرقٍ واحد. 

كل مقالاته التي وصلتنا مقتطفات مترجمةٍ منها، تحمل طابعاً عنصرياً وحشياً، فهو لا يكتفِ بالحطّ من العناصر الأخرى في الدولة؛ بل يضع خطةً للتحرّك في الوقت نفسه، عبر اقتلاعهم من جذورهم الجغرافية وترحيلهم أو قتلهم. 

في واحدةٍ من هذه المقالات، أعطى رأيه في الحوار العربي والكردي وعلّق قائلاً: «إن الأكراد المجاورين للعرب صاروا بدواً، ورجعيين، العرب متخلفون وجَهَلة وليست لديهم أيّة مواهب، أما الأكراد الذين عاشوا مع الأتراك، فقد تحرّروا من الإقطاع». 

واستخلص بأن «مجاورة الأكراد للأتراك، كان له تأثيرٌ إيجابي جداً، مصلحة الأكراد هو إبقاءهم بعيدين عن العرب والعيش بجوار الأتراك». 

تم رفع هذه التوصيات لوزير الداخلية “طلعت باشا”، وهذا خاطبهم بالقول: «الأناضول صندوقنا المغلق». 

خلال تلك الأعوام، أي منذ تشكيل مديرية إسكان العشائر والمهاجرين سنة 1913، وحتى معاهدة لوزان عام 1923، تغيّر وجه بلاد ميزوبوتاميا العليا وكردستان وأرمنستان والأناضول إلى الأبد. 

فقد تم تنفيذ ما أعدّه “زيا” أو “ضياء كوك ألب” وتلاميذه ميدانياً، وخلال هذه السنوات العشر، اختفى الأرمن والسريان والآشوريون والإيزيديون والروم الأرثوذكس من الخريطة بشكلٍ غير مسبوق في التاريخ، وسرعان ما تم تفكيك الكرد. 

لقد اهتزّت خريطة المنطقة اجتماعياً خلال نكبتي المغول على المنطقة، بين هولاكو وتيمور خان، وخصوصاً الشعوب المسيحية، وأسهب مؤرخون في تأريخ هذه الوقائع، أكثرها تفصيلاً في (مخطوطة تاريخ الأزمنة) لـ “ابن العبري” و(طبقات ناصري) للقاضي “الجوزجاني”، فضلاً عن التوثيق اللاحق. فقد تمّ تدمير حواضر تاريخية بقيت مهدّمةً منذ موجتَيْ المغول وحتى نهاية الدولة العثمانية، مثل نصيبين، حرّان، ميافارقين، سري كانييه، الرقّة، منبج، مسكنة، الباب وجرابلس. 

كافة هذه الحواضر التي كانت مزدهرة وذات دورٍ تجاري وديني، قد دُمِّرت ولم تقم مرة أخرى، ذلك أن التدمير المغولي تعدّى تدمير المدن إلى تخريب شبكات الري والآبار والقنوات المائية وإبادة السكان، فاتسعت رقعة البادية في المشرق، حتى بلغت عمق مناطق كردستان. 

بقيت مجموعات سكانية صغيرة من الشعوب التي كانت تعيش في هذه البلدات مع استمرار وفود مجموعات عشائرية بدوية هائلة من آسيا الوسطى وأنحاء الصين، كانت كل مجموعةٍ منهم تطلق على نفسها اسماً مستقلاً حتى الاستقرار على اسم التركمان، وكانوا أحدث الشعوب في المنطقة وتقاسموا فيما بينهم مناطق المسيحيين. 

وباستثناء الكتلة السكانية الكبيرة للأرمن في أرمنستان وأجزاءٍ من كردستان، والروم الأرثوذكس في الأناضول الغربية، فإن المجموعات الأخرى كانت أقرب لـ «بقايا التاريخ» وشهادةً حيّة على التنوّع الذي كان، وهي نفسها تقلّصت تباعاً خلال الحكم العثماني، خصوصاً القرن التاسع عشر. 

قبل أيام، وبعد مئة عام من أكبر نكبةٍ ثقافية تعرّض لها الشرق، على أيدي مجموعات الاتحاد والترقي، ثم الجمهورية الجديدة، تحدّث الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” عن رؤيته للمنطقة التي يسميها «آمنة» بين سري كانييه وكري سبي، وقال في مقابلةٍ تلفزيونية إن هذه المنطقة لا تناسب سكن الكرد وأنها مناسبة للعرب، ولذلك سيقوم بتوطين اللاجئين السوريين هناك. 

حين طُلب منه تفسير كلامه بخصوص أن المنطقة تناسب العرب وليس الكرد، أجاب بدون تردد: «لأنها صحراء». 

لقد قال “ضياء كوك ألب”، المهندس الاجتماعي والمُنظّر الفكري للإبادات، كلاماً مشابهاً قبل مئة عام كما ذُكِر أعلاه. ومع اختلاف دوافع كلٍّ منهما لهذا الوصف، أي أن الصحراء تناسب العرب، إلا أن النتيجة متشابهة، فكل من “أردوغان” و”كوك ألب” يبحثان عن الفصل الثقافي بين القوميات والأديان. 

والواقع فإن اسطنبول نفسها شهدت مثل هذا التحوّل القسري بترحيل الأرمن والروم الأرثوذكس، مع الإبقاء على مجموعاتٍ صغيرة لا تدخل حتى ضمن التكوين الثقافي للبلاد، لمحدودية حجمها وعدم قدرتها على ممارسة السياسة. 

منذ مئة عام، يتم تسيير سياسات الفصل الثقافي، سواءً عبر إبادة مكوّنٍ من المكوّنات، أو ترحيلها، أو ممارسة كلا الأمرين مع استقدام شعبٍ جديد وتتريكه ثقافياً، كما حاولوا في ديار بكر خلال الثلاثينيات عبر توطين 5 آلاف من أتراك بلغاريا، ثم توطين آلاف الأذريين في الولايات الشرقية على حدود إيران وأرمينيا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكانت الخطة تقضي بتوطين 10 آلاف سنوياً. 

خلال سنوات الحرب السورية، استأنفت تركيا هذه الحملات، ولكن هذه المرة عبر تجيير قوة المعارضة السورية المسلّحة، وتوجيهها لتكون أداةً من أدوات الأمن القومي التركي وتنفيذ سياسات الهندسة السكانية خارج حدود تركيا.  

ماذا يوجد في منطقة الجزيرة السورية؟ 

إن الشواهد البشرية على حدوث مجزرةٍ كبرى بحق ثقافات ميزوبوتاميا في الأعوام العشر، أعوام المجازر (1913 1923)، تتواجد في هذه المنطقة، في الجزيرة. هنا تتعايش بقايا الناجين من المجازر (الأرمن، السريان، النساطرة، الإيزيديون) جنباً إلى جنب مع العرب والطرف الذي شارك قطاع طرق ينتمون إليه في التنفيذ الميداني الدموي لمجازر السنوات العشر، الكرد. 

إن مشاركة مجموعات كردية في تلك الأحداث مسألة إشكالية للغاية، كون غالبية الناجين الأرمن أيضاً قد وصلوا إلى مناطق الجزيرة وحلب بمساعدة إقطاعيين كرد، في كوباني وعفرين وسري كانييه. 

ما يهم أن رأس الدولة التركية، وتلميذ “ضياء كوك ألب” “رجب طيب أردوغان”، وجد في الجزيرة ما يدين التاريخ التركي الحديث، التعايش في ظل مؤسسة دفاعية مشتركة، وهو شيءٌ تأسست تركيا على نقيضه. 

في الجزيرة تكاد لا توجد مدينةٌ لقوميةٍ معينة، إلا في العمق الجنوبي على حافة الفرات. هنا تل تمر، ذات البنية الآشورية خلال تأسيسها الحديث لا تقل فيها نسبة العرب والكرد عنهم. 

وفي سري كانييه، تتواجد كافة مكونات الجزيرة، بعشائرها وشعوبها وأديانها، كذلك في معظم البلدات والمدن الحدودية. 

ما يقوم به الغزو التركي، عبر إطلاق أكثر مجموعة مسلحة انفلاتاً في الشرق الأوسط حالياً (ما يسمى الجيش الوطني السوري+ الجهاديين)، إلى استئناف سخافات “كوك ألب” الاجتماعية عن عدم صلاحية هذه المنطقة للكرد والأرمن وأنها تصلح لغيرهم لأنها أراضي يرتفع فيها الغبار. 

خلال تجربة عفرين في الإبادة، وحالياً في الشريط المحتل في الجزيرة، فإن أي مظهرٍ دالٍ على التنوّع، سواء كان أثرياً أو دينياً أو ألوان زينة، تدل على جماعةٍ ثقافية قومية، إلا ويتم تلويثها أو تدميرها. 

لم تسلم مقابر الإيزيديين في عفرين من التحطيم على أيدي المسلحين أنفسهم، فإذا كان هذا جزاء الموتى لأنهم مختلفون، فماذا يمكن الانتظار منهم تجاه الأحياء؟ 

إن حملة التهجير التي طالت سكان الشريط الحدودي المحتل بين سري كانييه وكري سبي، امتدادٌ لخبرةٍ تركية طويلة في تنفيذ مثل هذه العمليات، والتي بدأت قبل إبادة الأرمن، حين استغلت سلطات الاتحاد والترقي حملات الهجرة الكبيرة من القوقاز والبلقان، وتوطين مجموعاتٍ منهم في المناطق الكردية والأرمنية. 

وإلى اليوم توجد مجموعةٌ من الشيشان في سري كانييه، تم توطينهم هناك قبيل الحرب العالمية الأولى، كما توجد في الطرف المقابل لـ سري كانييه، في جيلان بينار، مجموعةٌ من الأفغان الذين تم توطينهم في مراحل لاحقة ضمن خطة (إصلاح الشرق). 

وأبرز عمليات التغيير الديمغرافي والإبادات التي قادتها الدولة، أواخر العثمانيين، وخلال تاريخ الجمهورية التركية، وسنوات الحرب الأهلية في سوريا، هي 11 حملة كبرى:  

1-عام 1915، تهجير وإبادة الأرمن والسريان والإيزيديين، راح ضحيته أكثر من مليوني شخص، في أكبر إبادةٍ جماعية شهدها التاريخ حتى ذلك الوقت. 

2-عام 1916، تهجير ما نسبته من 5 إلى 10% من الكرد، إما إلى مناطق أرمنية وسريانية تم تدميرها، أو إلى وسط الأناضول، وهذه المجموعات ما زالت موجودةً في أنحاء قونية وميرسين ومحيط أنقرة. 

3- عام 1917، تهجير الآشوريين بشكلٍ كامل من منطقة هكاري الجبلية إلى إيران ثم العراق، ثم نزحت مجموعةٌ منهم في مطلع الثلاثينيات إلى الجزيرة السورية وتم توطينهم تحت رعاية الانتداب الفرنسي في حوض الخابور، وأكبر مراكزها تل تمر. 

4- 1922، 1923، تم ترحيل أكثر من مليون من الروم الأرثوذكس إلى البلقان واليونان ضمن عملية التبادل السكاني مع اليونان، والذي جرى بموجبه ترحيل نصف مليون مسلم إلى الأناضول. 

5- في عام 1925، كلّف “مصطفى كمال” مجلساً خاصاً لصياغة تقريرٍ شامل عن (إصلاح شرق الأناضول)، وترأّس “عصمت إينونو” المجلس، وشرّع في حملة تهجير للكرد بعد قمع ثورة “شيخ سعيد بيران”. 

واستمرت الحملة حتى ما بعد ثورة آغري عام 1931، تم بموجبها توطين آلاف الأتراك والبلقانيين والتتار على خط عينتاب – أورفا – ديار بكر، مقابل تهجير عشرات الآلاف من الكرد إلى الأناضول الداخلية. وأقرّت هذه اللجنة، لجنة إصلاح الشرق، مقررات جديدة أطاحت بفرضيات “كوك ألب” حول سهولة استيعاب الكرد في الثقافة التركية. 

6- في عام 1934، صدر قانون الترحيل، ضمن الإصلاحات، واعتمد على مبدأ حظر تجمّع المهجّرين في مكانٍ واحد، لكي لا تكون اللغة الأم الكردية وسيلة التفاهم. وفيها صدرت توصية ألا يتعدّى العنصر غير التركي في أيّة مدينة نسبة 10%، بما في ذلك المدن الكردية في شمال كردستان. 

7- عام 1937، تفريغ منطقة ديرسم (تونجلي) من السكان بشكلٍ كامل، وبقرارٍ رسميٍ صادر عن رئاسة الوزراء، عَقِب أكبر ثورةٍ قادها الكرد العلويون.   

8- حملة التهجير الريفية بين عامي 1991 1996، وأسفرت عن تدير الريف الكردستاني وتهجير 1.5 مليون من القرويين بحجّة إمكانية مساعدتهم لحزب العمال الكردستاني. 

9- عام 2016، حملة التهجير الحضرية، في ديار بكر وجزير ونصيبين، هَجَرَ خلالها نصف مليون شخص منازلهم التي سوّيت بالأرض. 

10- في عام 2018، نقلت تركيا مشروع (إصلاح شرق الأناضول) إلى داخل سوريا، لتحتل منطقة عفرين بأسلوبٍ مغولي، تم فيه تدمير كافة مصادر معيشة السكان الكرد، وتوطين نازحين سوريين في منازلهم وقراهم، ليتم بذلك استئناف عمليات التهجير التي بدأت عام 1915

11- عام 2019، شنّت تركيا غزواً جديداً واحتلت منطقة سري كانييه وكري سبي، مع بقاء عمليتها العسكرية مستمرةً حتى اليوم، الأمر الذي أدى إلى تهجير أكثر من 200 ألف من سكان هذه المنطقة، غالبيتهم من الكرد، بسبب الخطة التركية نفسها، أي الفصل بين السكان وعدم السماح بوجود أي نموذج يمكن أن يُقال عنه أنه تعايشي ومدني وغني وحضاري ولا يستدعي وجود مذبحةٍ أو إبادة. 

أيّة مدينةٍ تطأها تركيا، يجب أن تكون مثل أيّة مدينةٍ تركية، فيها عنصرٌ واحد فقط، أما السؤال الذي قد يطرحه بعض الثرثارين عن أن وجود الكرد بكثافة في تركيا ينفي ذلك، والجواب أن تركيا “كوك ألب”، وتركيا أتاتورك، وتركيا “إينونو”، لم ينجحوا في التطبيق الحرفي لمخططات القضاء على التنوّع القومي، فوجود الكرد في مدن غرب الأناضول تأسس عبر التهجير، وحافظ على نفسه عبر المقاومة والتنظيم السياسي. فهو ليس نتاج رحمة الدولة وتسامحها. 

إغلاق