أرى المدينةَ في قلبي وأسْمَعُها

“لن تجد بلادًا جديدة، لن تجد ضفة ثانية،

هذه المدينة ستطاردك. سوف تمشي

في الشوارع نفسها، تشيخ في الأحياء نفسها،

ستُصْبَغ رماديًا في هذه المنازل نفسها.

سينتهي بك المآل دائماً إلى هذه المدينة. 

لا تتأمل أشياءً في مكان آخر:

ليس ثمة سفينة لأجلك، ليس ثمة طريق.

بينما كنت تبدد حياتك هنا، في هذا الركن الصغير،

دمرتها في كل مكان آخر من العالم”.

 (قُسطنطين بيتروس كفافيس – الإسكندريَّة – 1863 – 1933)


أرى المدينةَ بقلبي:

«عُدت أدراجي بعد أن دخلوا المدينةَ، وبعد أن أودعتُ عائلتي في مكانٍ يُعتقَد أنَّهُ آمن، بعد كلّ هذه العذابات التي لاحقتنا طوال سنواتٍ خَلَت، عُدتُ كي أجمعَ أضراسي اللبنيَّة المُتساقطة التي رميتها فوق سطح المنزل كما اعتدنا أن نفعل ذلك ونحن صغار، لا تستغرب من كلامي هذا، فأنا لا أتوقَّعُ نفسي في أيِّ مكانٍ آخر سوى المدينة، وفي الوقت نفسه لا أتوقَّع أيضاً العودةَ مرَّةً أخرى، ذلك ليس محاولةً منّي لزرع التشاؤم، إنَّما هو مزروعٌ مُسبقَاً، وها نحنُ نحصدُ ثماره».

هكذا يتفوَّهُ “بندوار” 30 عاماً، النازح من سرى كانييه عقِب هجوم الجيش التركي والفصائل المسلَّحة التابعة له، تنفيذاً لخارطةٍ جنونيَّةٍ رسمها وغدٌ مستبدّ يرافقهُ في ذلك شُذَّاذُ الآفاق وأصحابُ اللِّحى الكريهة.

يكمل بندوار: «قالوا في ما مضى إنَّ لكل امرءٍ من اسمه نصيب، وهذا واقعٌ فعليّ، فأنا المنتظر منذ أكثر من ثلاثينَ سنةٍ أن أجلسَ أمام محلّي وسط المدينة وأشربَ الشاي وأبتسمَ للمارَّةِ، دونَ أن يسألني أحدهم عن مآلاتِ الحال بشكلٍ عامٍ في هذه الرقعة الجغرافيَّة من العالم التي تدعى سوريا، سوى أنَّ هذا الحلمَ بقيَ في ذاكرتي، شيءٌ ما يجرحُ حلقَ المرءَ وهو يتذكَّرُ كلَّ الأسى».

يضيفُ: «لستُ آبهاً بنشراتِ الأخبار ولا بالتصريحات السياسيَّة لكلّ ساسةِ العالَم، أنا أؤمنُ بالشجرةِ التي تركتها خلفي وسط الحَوْش في بيتنا القرويّ البسيط، أؤمِنُ بالجدرانِ التي أعرفها أكثر من أيِّ شيءٍ في هذا العالم، أؤمن بالكتب والمجلَّات التي اقتنيتها ولا أعرفُ مصيرها الآن، أو قُلْ حاولتُ لكنني فشِلت».

حاولَ “بندوار” العودة إلى سري كانييه، كي يُخرِجَ ما بإمكانه إخراجه من محلَّه الكائنِ وسط المدينة؛ رغبةً باستمراره في العمل ضمن مدينة قامشلو ليكون بمقدوره إعالة «كومة اللحم» كما يصفُ أسرته، وكان ذلك بمثابة انتحارٍ، فعواقِبُ العودةِ قد تصلُ إلى حَدِّ القتل أو الخطف والمطالبَةِ بفديَةٍ لا يستطيع معها الشاب الثلاثيني أن يثقِل بها كاهل عائلته النازحة في قامشلو.

فيسردُ: «استطعتُ الوصولَ إلى مدخل المدينة، رأيتُ شيئاً لم يسبُق لي رؤيته، أشخاصٌ ذو لحىً طويلةٍ وكأنّهم خارجونَ من تحتِ الأرض، وجوهٌ قُدَّر لها أن تكونَ هكذا، لا ترأفُ بأحدٍ، وبل أن الرأفَةَ ليست من شيمها مطلقاً»، سألني أحدهم: هل أنت كرديّ أم عربيّ؟! لم أُجِبه، تدخّل آخرٌ مصوِّباً بندقيَّته نحوي: تكلَّم، فأبيتُ، أنا كرديٌّ في سريرتي وليست بي حاجةٌ لأن أفصِح عن ذلك بلساني للوغد الغريب عن مدينتي وعن كلِّ المُدُن، عاد الأوَّلُ غاضباً هذه المرَّة سائلاً: لعلَّهُ أخرس؟ 

«حاولتُ أن أُديرَ ظهري للعودةِ، سوى أنّ الأوَّل أوقفني صارخاً: أتعتقِدُ أنَّه بإمكانك خداعنا يا هذا؟ تدخلُ وتخرجُ وقتَ تشاء؟ صمتتُ كذلك، سمعتُ جلبةً في الخلف، ثمَّة امرأةٌ مسنَّة يبدو عليها علاماتُ التعب، تحاولُ أن تخرج، تركوني وشأني متوجّهين نحوها، فعدتُ أدراجي كذلك، حاولوا ضربها، بَيْدَ أنَّها قاومت، وبدأت تشتمُ وتلعنُ وتضربُ بيدها ذات اليمين وذات الشمال وفي كلِّ الاتجاهات، ابتسمتُ للقدرة الغامضةِ التي تعصفُ بالمرء حينَ يتعلَّقُ الأمرُ بمدينته أو منزله أو ذكرياته، طُرِدنا». 

تصوير: ديار معو
تصوير: ديار معو

يصمتُ “بندوار” قليلاً ومن ثم يتنهّدُ متابعاً: «ما يخيفُ المرءُ هو الغموض، أو ربمَّا المجهول إن جازَ التعبير، لم أستطع الوصولَ إلى مكانِ عملي وفشلتُ في الاطمئنانِ على منزلي الذي عشتُ فيه طوالَ عمري، سوى أنّني أعرفُ مصيره دون أن أراهْ، ليس استناداً إلى الحكايات المرويَّة عن حجم النهب الهائل، كلَّا مُطلقاً، بل من ملامح من أبصرتُهم على مدخل مدينتي، وهيئاتِهم التي تُفصِحُ عن الخراب دونَ أن تراهُ حتَّى، المسألةُ في غاية البساطة ولا تحتاجُ إلى أيّة قوَّةٍ تخيليَّة، لم أرَ شيئاً لكن سمعتُ عن النهب، ولا أريدُ أن أرى مطلقاً بعيني، لأنّني أرى كلَّ شيءٍ واضحاً في قلبي الآن».

سيرةُ الخذلان: 

«دأبتُ على جمع الكتب مُذ كنتُ صغيراً، ولشدَّة ما تفاخرتُ أمام أصدقائي بالكمِّ الهائل منها، والتي تزيِّنُ غرفتي الخاصَّة في منزلي بالمدينة، كنتُ حينَ أسمعُ عن أحدهم يودُّ الهجرةَ فيعرُض مقتنياته وأثاثه للبيع، أحزنُ بشدَّةٍ أكثرَ من كل شيء على مكتبة منزله الخشبيَّة التي تحوي عناوينَ كبرنا معها، مُتعجِّباً من القسوةِ التي تحلُّ بالبشرِ بعضَ الأحيان، يتحوَّلونَ في ليلةٍ وضحاها إلى وحوشٍ بداخلهِا أُخر». 

يكمِلُ “أبو ريزان” 60 عاماً من سكّان سرى كانييه، والذي عادَ وتمكَّن من الدخول للمدينةِ بأعجوبَةٍ بعد أن كان قد غادرها عنوةً على إثر فَتْكِ الجَرَادِ المُقبِل من الحدود: «لم يهنأ لي بالٌ وأنا في مدينة قامشلو، فيما مكتبتي هناك في منزلي البسيط بـ سرى كانييه، سمعتُ عن قتل الأوغاد لسكَّان المدينةِ، ونهبهم لممتلكات النّاس وحرق المنازل بما فيها، وطلبهم الفديةَ لقاء كلِّ كرديٍّ أو غيره يعثرونَ عليه في المدينة أو يشكَّونَ في أمره من وجهة نظرهم السوداء الإجراميَّة، سوى أنّني قرَّرتُ العودةَ وجلب الكتب، اعتقدتُ في قلبي أن لا حاجة لهؤلاء الطغاةُ بالقراءة، ومنّنتُ نفسي بقسوةِ قلوبهم التي ما كانت كذلك لو أنّهم قرأوا يوماً حرفاً واحداً في كتاب».

يتنهّدُ “أبو ريزان” متابعاً: «تمكّنتُ الدخولَ لساعاتٍ بعد أن دفعتُ ما يربو فوق مائتي دولار لأحد الوحوشِ هناك، لقاءَ الدخولِ والخروج خلال وقتٍ قصير، لم أشأ أن أنظرَ بعينِ الفاحِص إلى المدينةِ، فأنا أعرف في قرارة نفسي أنّها تحوَّلت إلى حطامٍ على أيادي البرابرة الجُدد، أبلغني سائق السيارة الصغيرة ما يراهُ بعينه، فلا أندهِشُ، لقد سمعتُ وقرأتُ الكثيرَ عن الحقدِ ودماره الهائل». 

ينظر “أبا ريزان” إلى الفراغ وكأنّه يتذكَّرُ شيئاً ما، متابعاً: «توقّفت السيارة فجأةً عند باب منزلٍ، رفعتُ رأسي لأرى، وليتني لم أفعل. الإنسانُ يمتلكُ ذاكرةً عظيمة، وعلى الطرف الآخر، بمقدوره بعضَ الأحيان أن يُبقيَ على الصور في مخيّلته كما كانت عليه في الماضي، مهما كانت صورةُ الحاضرِ مؤلِمة، هذا ما كنَّا نفعله حين كنَّا صغاراً، ويبدو أنّني الآن في هذا العمر يتوجَّبُ عليَّ أن أستعيدَ ما كانَ عليه المنزلُ قبل أشهرٍ فقط وليس سنوات، وأفعلُ ما فعلناه ماضياً، لا لشيء فقط لأهدأ وأنامَ بعضاً من الوقت». 

تدمعُ عيناه، ترتجف الشفتان وهو يحاولُ أن يسحبَ هواءً إلى رئتيه قليلاً، ومن ثمّ يتابعُ مرَّةً أخرى بكربِ أشدّ: «كانَ المنزلُ حُطاماً، الغرفُ بدت غريبةً عليّ، وأنا الذي أمضيتُ 40 سنةً في أحشاءِ تلك الغرفِ الرؤومة، والآن أراها رُكاماً أسودَ، لم أتمكَّن من إزاحةِ الأحجار وكًتلِ الأسمنتِ لفرط دمارها، لم أُبصِر سوى صفحةً سوداء من كتابٍ عتيقٍ، كان في ما مضى أبيضَ. قرأتُ الكثير عن سير الخذلان، لكن لم يتسنّى لي قراءةُ سطرٍ وحيدٍ عن تخاذل العالم في وقتنا الرّاهن، وهو يرى بأمِّ عينه الجرَادَ الذي يفتُك بنا، دون أن يكون بمقدوره تغييرُ شيءٍ أو فعله».

تتعدّدُ الحكاياتُ وتتشابهُ في سرى كانييه وكلّ المدن، تكادُ أن تكونَ الفكرةُ كتاباً أسودَ في يدِ العالم، كتابٌ رُسِمَت خطوطهُ الواهيةُ بمفرداتٍ قاتمةٍ من الحقدِ والكراهية، حُبِكَت قصصهُ بدمِ الأبرياءِ والمهجَّرين من منازلهم وحقولهم وذكرياتهم. 

 

إغلاق