اجتياحُ إدلب.. مقايضاتٌ تركيّة روسيّة على حسابِ الكُرد

ظلّت إدلب على مدى أعوام، ورقة مقايضةٍ قوية بيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام (خصمه) النظام السوري، يتنازل عنها تارةً من خلال انسحاب فصائله المتطرّفة من بعض مناطق المدينة، مقابل السماح له باحتلال منطقةٍ متساويةٍ مع التي تنازل عنها، فصدى هدير طائرات النظام ودوي مدافعه في إدلب سيُترجم إلى تغيير ٍديمغرافيٍ وتوطينٍ للنازحين في سري كانييه وعفرين وتل أبيض وبذلك يتم تسريع تنفيذ المخطط التركي القائم على تهجير الكُرد وتشتيت قواهم البشرية والعسكرية.

خطوط المؤامرة المتعدّدة الأطراف، واضحة ونتائجها ستصبّ في خدمة تمدّد النظام وتسريع تنفيذ المخطط التركي في آنٍ معاً، وفق صيغة المقايضات التي سادت في معظم المناطق السورية، فتوطين اللاجئين السوريين في تركيا ضمن مناطق عملية نبع السلام التركية، لاقى رفضاً من الغرب الذي لم يخضع لابتزاز الرئيس التركي بشأن تمويل عمليات الاستيطان وطرد الكُرد وباقي المكوّنات من الأراضي التي استولت عليها تركيا مؤخراً، وستُشكّل الأزمة الإنسانية الناتجة عن قصف النظام في إدلب، فرصةً ذهبية لأردوغان كي يمضي قُدُماً في مشروعه التوسّعي، وقد يلقى هذه المرّة، مساندةً من بعض الدول الأوربية المتعاطفة مع تهيئة ملاذٍ آمن لنازحي إدلب ولو على حساب سكان المنطقة الأصليين الذين هُجّروا وفقدوا بيوتهم وممتلكاتهم بعد أن أطلق الرئيس التركي أيدي فصائل سوريّة موالية له في المنطقة، ليرتكبوا الفظائع ويروّعوا الأهالي ويضمنوا – بذلك- عدم عودة أصحاب الأرض اليها.

يستخدم  الرئيس التركي مأساة إدلب كشماعةٍ لإسكات صوت الحق الغربي من خلال اللعب على الوتر الإنساني بأن المدنيين في إدلب باتوا لاجئين إليها للحماية من بطش السلاح العسكري للنظام السوري، وبالتالي لا بديل إلا بإنشاء مناطق آمنة وبناء مشروعه الاستيطاني في عفرين وسري كانييه وكري سبي، وتوطين النازحين الهاربين من معرة النعمان وباقي المناطق في إدلب إلى عفرين.

وقد بدأ ذلك بالفعل مع الأيام الأولى للحملة العسكرية الأخيرة، ومع أن ما يجري في إدلب مسرحية مشتركة بين تركيا وبين النظام برعايةٍ روسية، حيث تقوم الفصائل المتطرّفة والنظام بمناوراتٍ عسكرية في معركة مفتوحة، فتنتهي- كما تُظهِر كل المؤشرات-  تلك المسرحية بقتل المدنيين وتهجير مَنْ ظلّ على قيد الحياة في مناطق شرق الفرات، لتبقى ورقة اللاجئين مفتاحاً للتّوسع والسيطرة ووأد المشروع الكردي وضرب التنوع.

تلك المقايضة والشماعة غير الشرعية- وإن تمّت- فسيكون حبرها من دماء الشعب الكردي في سوريا، فما زالت إدلب المُهدّدة باجتياحٍ واسع من قِبل النظام السوري وروسيا منذ أكثر من عام،  خنجراً في خاصرة القضية الكردية، وغالباً الخلاف السعودي القطري كان أحد أهم أسباب ما حدث.

فالتهديد المستمر لاجتياح المدينة وتسليمها للنظام، أجبر الفصائل المنضوية تحت راية المعارضة، للرضوخ والاستسلام إما للنظام السوري وإما لتركيا، وبالتالي التّوصّل لحلولٍ سريعةٍ حسب مصالحهم دون وجود أيّ عائق، ما يفضي إلى نتيجةٍ واحدة، وهي تهجير المدنيين الرافضين للدخول في الصراع ورضوخهم لشروط المؤامرة بالتوطين في المناطق الكردية المحتلة تحت ذريعة التعاطف الإنساني مع الشعب السوري  على حساب الحقد الباطني على الكرد وكانت عفرين في ٢٠١٨ خير دليلٍ على ذلك.

وبحسب الوقائع والمجريات على الأرض، فإن معظم الاتفاقات بين الحلف الثلاثي (تركيا إيران روسيا) كان الخاسر الوحيد منها الشعب الكردي في سوريا، ورغم عجز الغرب عن التدخل الفعلي للحدّ من هذه الكارثة واكتفائه بالتصريحات والوعود بفرض عقوباتٍ على النظام التركي؛ إلا أنه يُدرك تماماً بأن القضية لن تنتهِ بالقضاء على المشروع الكردي، فمَنْ تقوم تركيا بتوطينهم يتجاوز مئات الآلاف من المسلحين السوريين وعوائلهم ومن غير السوريين أيضاً، والعدد قابلٌ للزيادة أكثر من ذلك في الأعوام القادمة، نتيجة إنشاء معسكراتٍ لأبنائهم  وتعليمهم حمل السلاح والقتال تحت الأجندة التركية النابذة للتنوع والتعددية والساعية إلى إخضاع السوريين واستزلامهم، وبذلك سيتم تكرار السيناريو العثماني من جديد وسيصبح هؤلاء السوريون المستخدمون في المشروع الأردوغاني جيش المستقبل لتنفيذ عملياتٍ توسعيةداخل دول المنطقة وأيّة دولةٍ أخرى تتواجد فيها مطامعٌ تركيّة كما في ليبيا ودول أخرى.

لا يخفى على أحد، أن أميركا كانت لها دوراً فعّالاً فيما حدث، رغم تبرئة غالبية القيادة الأميركية نفسها أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي من تَبِعات ما حدث ويحدث، إلا أن الرئيس “دونالد ترمب” كان عامل الحسم في الكارثة التي حلّت بالكُرد وباقي مكونات المنطقة من خلال عدم التزامه بحماية حلفائه الذين حاربوا الإرهاب وقدّموا تضحياتٍ غالية من دماء أبنائهم، بعد أن اتّخذ الأخير من تناقضات البيت الأبيض ومواجهة معارضيه بالسماح للهجوم التركي والتغطية على الإعلام الناقل لتفاصيل معركته الداخلية مع خصومه في الحزب الديمقراطي الذين يسعون إلى عزله أو تقليص صلاحياته.

إلا أنّه لم يحسب تبِعات قراره جيداً، فالروس أصبحوا ملاصقين لمكان تواجد قواعده في سوريا، وباتت اللعبة أخطر مما كان متوقَّعاً لها، وما الحديث عن الحلول، إلا وهمٌ وخيالٌ في ظلّ توسيع تركيا رقعة غزوها والتهديد بأن قوات سوريا الديمقراطية لم تلتزم بالانسحاب المُتّفقِ عليه.

ما يفضح  عزمها دون رادع على تغيير ديمغرافية المنطقة لصالح الهيمنة والتوسع ووأد أية تجربة كُردية طامحة لمشاركة الكُرد في رسم مستقبلهم في سوريا.

إغلاق