البحثُ عن الذّات عبر ذكرياتٍ تائهة في مخيمٍ حدودي

«بعض الناس تملؤهم المتعة بتحطيم أحلام الآخرين، لكن لن أسمح لهذا بإحباطي! فهذا العالم الرائع لا يتوقّف، مررت بأوضاعٍ كثيرة وأنا على يقين من شيءٍ واحد، كلما وجدت نفسي ساقطاً أستجمع قواي وأعود لخوضها، هكذا هي الحياة»*.

تلك المقولة، تُشبه كثيراً ما تحمله “رمزية خليل” 43 عاماً، النازحة من مدينة سري كانييه، من إصرار ٍللتّغلّب على مرارة ما عاشته في رحلة  النزوح الصعبة إلى مخيم نوروز قرب مدينة ديرك، بعد العملية العسكرية التي نفّذها الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية التابعة له على مدينتها، حيث أُجبرت مع عائلتها على مغادرة منزلها في التاسع من اكتوبر تشرين الأول الماضي على وقع المدافع والطيران الحربي.

«كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصراً، كنا على وشك البدء بتناول وجبة الغداء، عندما سمعنا أصوات الانفجارات، سارعت ابنتي إلى الخارج لتتفقّد الصوت، كانت تركيا قد بدأت  بتنفيذ تهديداتها التي لم نعتبرها جدية يوماً ولم نكن نأبه بها، بل نصر على البقاء في منازلنا ولكن فجأةً تغيّر كل شيء» تقول المرأة في عقدها الخامس، والكلمات تخرج بصعوبة من شفتيها الجافتين وهي تتذكّر منزلها الذي تركته خلفها.

 وتضيف: «قَصَفَ الطيران الحربي حي الحوارنة  الذي كنا نسكن فيه، ما عسانا أن نفعل؟ هل يستطيع المرء الوقوف في وجه الطيران؟». تظهر الحسرة مع الحزن بشكلٍ واضح على ملامحها المرهقة، تحاول أن تكمل حديثها، تخونها الكلمات وتصمت.

مُجدّداً تعود، لتكسر الصمت بتنهيدة،  وتجيب بنفسها على السؤال: «بالطبع لن يستطيع، لقد هربنا دون أن نأخذ أي شيء يخصنا، لذنا بالفرار مشياً على الأقدام، تاركين خلفنا جثث ثلاثة شبان وامرأة من أقاربنا ولا نملك أية معلومات عن مصير جثثهم حتى اللحظة، يا إلهي ماذا فعلنا لنلقى هذا المصير؟».

وصلت “رمزية” مع عائلتها المؤلفة من ثمانية أشخاص إلى صالة “السفير” داخل المدينة، كلّ ما كانوا يملكونه هو دراجة نارية ووجهة مجهولة «كان المشهد مروعاً» كما تصفه «هرب الجميع وبدأت المدينة تكتسي السواد شيئاً فشيء» تُضيف. 

تكاتَفَ أهالي المدينة- رغم مرارة الوضع- مع بعضهم الآخر للنجاة من الخطر الذي بات على الأبواب، ورغم ذلك، بادر كل مَنْ يملك سيارةً أو أيّة وسيلة نقل، لمساعدة النساء والأطفال وإخراجهم بعيداً عن أماكن القصف، ومن بينهم “رمزية” التي وصلت مع عائلتها إلى دوار بلدة تل تمر.

جلست  في الصندوق الخلفي لإحدى سيارات النقل، تُحدّق حولها بنظرات مختلطة بين الألم والأمل والخوف والوداع، تحاول الاستنشاق بكل ما لديها من اندفاع، لتملئ رئتيها بالهواء الذي يحمل عبق مدينتها، وتلتقط بعينيها الصور الأخيرة لها (أي للمدينة) قبل أن تتبدل ملامحها.

عند دوار تل تمر، أمضت “رمزية” مع عائلتها أربعة أيام، تصفها بالأسوأ في حياتها، كانوا يفترشون العراء ويلتحفون السماء، لم تنته رحلة النزوح هناك، فالمحطة الجديدة من الرحلة قد بدأت بعد نقلهم إلى مدينة الحسكة.

تصوير: سولنار محمد
تصوير: سولنار محمد

في إحدى مدارس الإيواء بمدينة الحسكة، مكثت ثلاثة وعشرون يوماً، تتقاسم الغرفة التي حصلت عليها مع خمس عوائل أخرى هي أيضاً لا تقل سوءاً عن حالتها.

«لم نعد نحتمل، ثلاثة وعشرون يوم لم نستطع أن نغتسل أو ننام بهدوء، كيف لـ 6 عوائل أن تسكن في غرفةٍ واحدة؟ هل تتخيلون الوضع هناك؟» تقول “رمزية” وهي تجيل النظر في محيط المكان.

كان الخيار الأخير بالنسبة لـ للسيدة التي لم تتجاوز الخمسين، هو التوجّه نحو مخيم نوروز الذي افتُتِح لاستقبال العوائل النازحة من كري سبي وسري كانييه عقِب العملية التركية.

تُكابر “رمزية” على وجعها وتأبى أن تخونها الدموع، تتحدث بقوة وإيمان كبيرين  بالعودة يوماً ما إلى منزلها الذي تركته خلفها، والذي خبّأت أحلام أطفالها في كل زاويةٍ من زواياه.

تتوقف عن الكلام وتجلس بجانب زوجها على قطعةٍ من السجاد المهترئ أمام خيمتها، تتكوّر على نفسها بجسدها النحيل وتسحب ما استطاعت من سيجارتها لترفع رأسها وتنفث الدخان بوجه الحدود التركية المواجهة للمخيم، وكأنها تحاول الانتقام من دخان الحرب الذي خيّم على مدينتها.

كيف تنسى ما حل بها وهي التي تجلس قبالة الحدود التركية المقابلة للمخيم؟ فيتجدّد ألمها ويقوى أملها بالعودة لمدينتها، فداخل كل خيمةٍ من تلكم الخيم المتناثرة في مواجهة الحدود التركية، قصة عذاب خلّفتها الحرب، فقد تخرج بعض تلك الحكايات إلى النور،  لكن بالتأكيد ستبقى قصصٌ أخرى مخبأةً داخل قلوب أصحابها التي أنهكتها مرارة النزوح.


*واكين فينكس من فيلم الجوكر

إغلاق