ثلاثة مشاهد منخورة بالرصاص

فلتعُد المدينة ولتخسف بنا الأرض أنَّ شاءت

الغربةُ تكون أشدّ وطأةً حين تكون إكراهاً، وحين يكون المُغتَرِب على مقربةٍ من منزلك، بين ظهرانيكَ، على مرمى حجر، على مبعدة قيلولة القيظ في صيف العام الماضي، حينها تكون الغربةُ أشدّ فتكاً، حينها تنفُذ إلى عظامك، تعيش مسكوناً أبداً بالشوارعِ والأزقةِ، بالحواريّ وملاعب الصبا، وملاعب العمر العتيّ، حيث جزّت الأمّ البقدونس، والبصل الأخضر، وحيث لفّ الوالد آخر سيجارة، وحين غَفَت الأختُ في انتظار نجم “مجنون وليلى” وحين غَفَوْتَ أنت دون هذه جميعاً واستيقظتَ على وقعِ الأخبار تتحدّث عن مدينتك وكأنّها قطعة أرضٍ في مكانٍ آخر.

سأستعيرُ هنا منشور أحد الأصدقاء عن عفرين/ والتي هي سري كانييه أخرى، حيث كتبَ عن جدّته بأنّها ماتت كمداً وأسفاً على منزلها والذي يبعد عنها بضع كيلومتراتٍ فقط، دون أن تستطيع أن تعود إليه.

يحضرني الآن بيتٌ/ منزلٌ شعريّ لـ أبي تمام الشاعر (كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى *** وحنينُــه أبــداً لأوّلِ منــــزلِ)،

أستحضر هذا الـ “منزل” الشعريّ وأنا أرى كيف أنّ أصدقاء لي تركوا مدينة سري كانييه وقلوبهم مشدودة إلى قطعةٍ من الجغرافيا تلك وكأنّها دون أيّة أرضٍ أخرى جنتهم. (تعلّمنا أن نُشفِع اسم المدينة بربيبتها العربية “رأس العين” إلا أنّني في هذا النص سأدوّنها بالرسم الكردي، وذلك أنّ الوجع فيها كان كردياً أكثر منه بأيّة لغةٍ أخرى، حتى وإن كان الجيران من عربٍ وشركس ومسيحيين متوجّعين أيضاً).

بالنسبة لي، فإنّ ارتباطي بـ سري كانييه يتجلّى عبر مشاهد ثلاثة، وهي الآن تعني لي الكثير، فأحسّ بها مشدودة إلى قلبي. المشهد الأول هو “مختار” وهو الذي كتبتُ عنه أحد قصصي وأحد نصوصي، والمشهد الثاني هو نصّ كتبته عن فيلم “جَنَّتي” الذي يوثّق لبعض المدينة، الثالث هو مشاركتي بمعرض كتب في المدينة.

أراني الآن في وارد مشاركتها مع القرّاء، لا ليعرفوا بالضبط ما هي المشاهد، بل ليقفوا معي على أسوار المدينة العالية في وجداننا، وليطيلوا النظر ثم يبصقوا على هذا العالم العاهر.

“مختار/ أورهان” بين رحى نَصّين

كتبت عن شخصية “أورهان” أو “مختار” كما دوّنتُ الاسم في نصوصي، وهو أحد الشخصيات المحبوبة التي يعرفها كلّ أهالي سري كانييه، وهو «مجنون سري كانييه» والجملة هنا استعارة أو تناصٌّ لـ “مجنون ليلى”.

أحد هذه النصوص بعنوان “جسد في مرمى قنّاصين” يتحدّث عن “أورهان/ مختار” وكيف بقي في المدينة إبّان محاولة الغرباء والخفافيش دخولها عام 2012، حيث استشهد أخيراً، وقد نجح المقاتلون الكُرد أخيراً في انتشال جسده الشهيد بعمليةٍ نوعية، وكان القنّاص الكُردي يصوّب دريئته إلى الجسد الشهيد منعاً من اقتراب الكلاب لئلا يُدنّسوا طهارة جسده، وكيف أنّ القنّاص الغريب/ العدو كان يصوّب دريئته أيضاً صوب جسده الشهيد ليقتل كلّ من يقترب.

حين كنّا في زيارةٍ إلى سري كانييه بعد عدة سنوات، كنت مع الشاعر أحمد حسيني ومجموعة أصدقاء آخرين أتذكر منهم الصديق خوشمان ومحمد بيجو وآزاد عفدكي، حينها كان آزاد سليل الكبرياء في المدينة والتي دحرت الغرباء/ الأعداء عنها في العام 2012 يحكي لنا عن آثار المعارك والدمار و”حيّ الخرابات” التي منيت بأعتى المعارك وأشدّ المقاومة.

ما أودّ أن أشارككم به من هذا النص، هو التالي، والذي يترك ندوباً في ذاكرتي كلّما عرفت أنّ الغرباء/ الأعداء يمكثون هناك حيث يغنّي العجوز.

(أما عن مختار، فحين أمرّ من الشارع/شارعه، سأهمّ بانحناءةٍ تليق بغيابه، وسأسرد القصّة للأطفال العابرين. وسيكون في المقهى العتيق عجوزٌ يرفع يديه ويهمّ بسرد أغنيةٍ، وحوله من الحالمين بأمسِهِ، وغدِهم، ويقولون منتشين بالغناء “تاو تاو”).

النص الآخر هو عبار عن قصّةٍ قصيرة ضمّتها مجموعتي القصصية التي نشرتها في عام 2016 وهي بعنوان “لا تتركوا جثتي هناك” وهي أيضاً عن ذات الـ “مختار/ أورهان” عندما هممتُ بالكتابة، لم أتوقّف على عتبة التكرار، لأنني عددتها فضيلةً في هذا المقام، وبعد الانتهاء من النصّين أيضاً، كنتُ أقفُ أمام قلبي وهو ينقبضُ على ألمٍ سيعاود الظهور بعد أعوامٍ قليلة.

فيلم ” My paradise ” والفردوس المفقود

في آذار 2017 تم عرض فيلم وثائقي بعنوان My paradise / جَنّتي بمدينة قامشلي، حينها كان للفيلم وقعٌ كبير على قلبي، وكأنّه حكاية للفردوس الذي نخشى من فقدانه أبداً، أستحضر النصّ الآن وأرى الشاشة الوسيعة أمام عَينيّ تعكس المدينة في جملةٍ من المشاهد التي توثِق يديك لئلا تمسحَ عن عينيك دمعاً سخيّاً، لتتركه ينزلق على وجنتيك كالعرَق الذي يتركه الصيف على وجهك حين تصل الكراج، ذاهباً بالسرفيس من أي مكانٍ في العالم قاصداً المدينة/ سري كانييه.

أورد النصّ هنا والكلمات مخطوفة ألوانها:

(فيلم ” My paradise / جَنّتي” لـ أكرم حيدو هو فيلم وثائقي يحكي قصة مدينته/مدينتنا الصغيرة الأليمة، مختصِراً بذلك ألم الجغرافيا السورية برمّتها. إنّه ينكأ ذاكرة شخوصه الذين حبسهم بضوء “الفلاش” في كاميرته، وينكأ أيضاً جرح الحاضر، الذي هو ألمٌ لا يزال ينزف، لقد نجح في أن يضعنا أمام جرحنا كي نراه، والذي نكاد ننساه لشدة ما نعيشه، وكأنه يضعنا أمام مرآة، أمام ذواتنا الجريحة، هذه المرآة التي هشّمت الحرب صقيلها فتنقل صورتنا مهشّمةً مثلها. إذن هو الألم واحد، لكنّه مهشّم كألف صورة).

المكتبة في مواجهة الألم

في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 كنتُ على موعد مع المدينة/ سري كانييه، حينها شاركنا باسم مقهى الكتاب (بنداروك) في المعرض المتنقّل الذي كانت تقيمه هيئة الثقافة في الإدارة الذاتية في عددٍ من المدن، لم نشارك في أيّةِ مدينةٍ أخرى سوى سري كانييه (معرض ديرك سابقاً على تاريخ هذا المعرض، ومعرض الحسكة اللاحق لتاريخ هذا المعرض).

كانت الكتب إذن هي رابطاً ما بيني وبين المدينة، ليس شيء آخر غيرها، وكان الشباب والفتيات يأتون ليناقشوا حول الكتب، لا شيء مشترك في أحاديثنا سوى ما تحمله الكلمات وبخاصة أنّنا عرضنا حينها أجمل الكتب الكردية والعربية، فكانت كتب من قبيل ممو زين وأشعار جكرخوين وروايات كـ عرق الضفدع وسوبارتو.

أكتب الآن وكأنني دفنت في تلك المدينة الكثير من الكلمات والكتب، وحين سمعت أحاديث كتّاب ومثقفين عن حرق المرتزقة لمكتباتهم وبيوتهم في المدينة، قلت في نفسي علّ أحدهم على الأقل قد حَمَلَ كتاباً أو أكثر من كتبنا وتركها في مكتبته، فليكن! فلتختلط حرائق كتبنا مع دمارها، ولتحفل الأرض برائحة الورق المحترق.

العدوان والاحتلال التركي ورفقة المرتزقة يتمثّل الآن أمام عينيّ في سري كانييه المنهوبة والمنتهكة، دون أن يعني ذلك أنّ الأماكن الأخرى التي تم تدنيسها هي دونها.

هي مشاهدٌ ثلاثة لا غير، سأحتفظ بها حتى تعود المدينة إلى سابق نبضها؛ حياةً وروحاً، ستظلّ المشاهد هذه تحزّ في نفسي كأن تحمل في قلبك نبعاً من ألمٍ ينبجس من بين أصابعك أبداً.

إغلاق