حقائب النّزوح المتحفِّزة والعيش بين نارَين

انتعشت الهجرة مجدداً لدى أبناء شرق الفرات، بعد ركودها لأكثر من أربعة أعوام متتالية، شهدت فيها نوعاً من الاستقرار النسبي، حتى التاسع من شهر أكتوبر  تشرين الأول الماضي، حين بدأ العدوان التركي بشكلٍ فعلي على مدينتي سري كانييه وكري سبي، بعد سلسلة تهديداتٍ من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باجتياح المنطقة عسكرياً.

وشكّل النزوح الداخلي لمئات آلاف المدنيين نحو المدن الأبعد عن الحدود التركية والأكثر أماناً، مشهداً اعتقد الكثيرون أنهم لن يشاهدوه مجدّداً بعد احتلال مدينة عفرين شمالي سوريا، فيما هجرة الآلاف خارج الحدود باتجاه إقليم كُردستان، أعادت للأذهان الهجرة التي حدثت منذ بداية الأزمة السورية عام 2011. 

وسبّب العدوان التركي على مناطق شرق الفرات، زعزعة الأمان النسبي الذي كان يتمتع به سكّان المنطقة بكافة مكوناتها، إلا أنّ الحقائب المتحفِّزة باتت عنواناً رئيساً للمرحلة، وصار التردّد ما بين الهجرة وترك الوطن من جهة، وبين البقاء في ظل التوتر القائم الذي تشهده المنطقة من جهةٍ أخرى، السمة العامة في مجتمع شرق الفرات.

«لن نخرج من وطننا، وسنبقى حتى النهاية، أين سنذهب؟ لا يوجد أجمل من بلدنا، ثم أن الغربة تؤدي إلى الانصهار والزوال» يقول “محمد أحمد” خمسينيٌ من مدينة قامشلو.

ويوافقه الرأي “محمد أمين” 60 عاماً، ويعتبر أن الخروج من الوطن «لا يجوز تحت أية ذريعةٍ كانت».

تصوير: احمد مراد
تصوير: احمد مراد

«هنا أرضنا وعقاراتنا، لا نستطيع ترك بيوتنا وقوميتنا، مهما حدث لا يجوز أن نهاجر» يُضيف الرجل الستيني.

لكن آراء الناس ليست كلها بهذا الاتجاه، ويفضّل الكثير من هؤلاء العيش بأمان مع أطفالهم في الخارج، على البقاء في حالة اللااستقرار وانعدام الأمن.

“شيرين محمد” 27 عاماً، أبدت ندمها لأنها لم تهاجر مع أطفالها منذ زمن، وعبّرت عن قلقها من المستقبل، خصوصاً بعد العدوان التركي الأخير على المنطقة. 

تقول: «ندمنا لأننا لم نهاجر، نحن لا نعيش في أمان، أنا خائفة على أطفالي، عشنا لحظات رهيبة أثناء العدوان التركي». 

وعلى الرغم من عدم تفكيره بالهجرة قبل بدء العدوان التركي، يذهب  “محمد علي” 40 عاماً أبعد من ذلك حين يقول: «لو أنّ هناك طريقٌ آمن سأهاجر مع أطفالي، لا يوجد استقرار، وليس هناك أمان، ولا توجد مقومات للحياة».

 وأسفرت العمليات العسكرية التي أطلقتها تركيا والانتهاكات التي ارتكبتها فصائل مسلحة موالية لها على مدينتي سري كانييه وكري سبي، في التاسع من أكتوبر الماضي، عن نزوح نحو 300 ألف من السكان الأصليين نحو مدن أخرى.

وكانت مدارس الحسكة، تل تمر، قامشلو وكركي لكي قد تحولت معظمها لمراكز إيواء للنازحين، الذين خرجوا تحت القصف بثيابهم فقط، للحفاظ على حياتهم وحياة أطفالهم.

ويقيم حالياً  نحو 5000 نازحاً من مدينة سري كانييه في مخيم “واشوكاني” ببلدة “التوينة”  13 كم غربي مدينة الحسكة.

فيما وصل نحو 15ألف لاجئ لإقليم كُردستان، معظمهم من مدينة سري كانييه وضواحيها، وتم نقلهم لمخيم “برده رش” الذي يبعد نحو 35 كم عن مدينة الموصل والتابع إدارياً لمحافظة دهوك، وقسم آخر لمخيم “كويلان” التابع للعاصمة أربيل.

تصوير: احمد مراد
تصوير: احمد مراد

لكن الظروف الصعبة لمخيم “برده رش” والخدمات القليلة التي يتم تقديمها للاجئين، مع غياب المنظمات الإنسانية (فيما عدا المفوضية العليا للاجئين و مؤسسة البارزاني الخيرية) وصعوبة إجراءات الخروج بكفالة من المخيم، جعلت اللاجئين يفكِّرون بالعودة، بعد وقف إطلاق النار وانحسار العمليات العسكرية في مواقع معينة.

فقد عاد إلى ديارهم خلال الاسبوع الفائت ما لا يقل  2000 لاجئ، لكن أغلبهم ليسوا من أبناء سري كانييه، بل من مناطق أخرى من شرق الفرات والتي لم تشهد قصفاً تركياً.

الشاب “ولات” من مدينة عامودا 24 عاماً قال لمجلة (شار ) بعد عودته من مخيم “برده رش”: «أن أموت في بلدي، أفضل من الموت في الغربة».

فيما عبّرت “أم سليمان” من مدينة ديرك عن ندمها لأنها هاجرت خارج ديارها، لكنها أكّدت أنها خرجت لمعالجة ابنها الشاب (ويعاني من مرض عصبي) إلا أنها فشلت في الخروج من المخيم وإيجاد يد العون في علاج ولدها، فارتأت العودة للديار.

حالة اللااستقرار في الشتات، خلّفتها فظائع الآلة العسكرية التركية، وجعلت الناس تتحفّز من جديد للهجرة والابتعاد عن الخطر.

وما يجري في مدينتي سري كانييه وكري سبي من تهجيرٍ ممنهج وتغييرٍ ديمغرافي للسكان، لا يحتاج إلى إثبات بعد أن صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنيته في «إسكان مليون لاجئ سوري في تركيا في مدينتي تل أبيض ورأس العين».

بين نارَين، يقضي سكان شرق الفرات حياتهم، فإما نار الهجرة والاغتراب، وإما البقاء وسط نار اللااستقرار والحرب التي لا ضامن لعدم اندلاعها مجدداً، لتبقى الحقائب متحفّزة ومتأهبة على الدوام للانتقال إلى مدينةٍ أخرى أو إلى بلدٍ آخر.

إغلاق