شغف ربع قرنٍ في بيع الخضروات يستلهم ذاكرة أبو آلان

في سوق الخضروات وسط مدينة قامشلو، يرش “شمس الدين” الماء بأصابع يده اليمنى على الخضروات المنثورة أمامه، لتبقى ناضجة تشدّ الزبائن لشرائها، فيما يمسك باليسرى وعاءً بلاستيكياً ذو فوهةٍ معقوفة تغيّر لونه من أشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف.

“شمس الدين” البالغ من العمر /59/ عاماً، يقصد كل يوم  قبل بزوغ الفجر سوق الهال (سوقٌ لبيع الخضروات والفواكه بسعر الجملة)  لتأمين احتياجاته اليومية من الخضار والفواكه ثم الإتيان بها إلى دكانه الصغير وسط المدينة، حيث ينتظره أبناؤه لمساعدته في إنزال الحمولة، فيما يباشر الرجل الستيني بتوزيعها على طاولةٍ مستقيمة لعرضها أمام المتسوقين في الشارع الذي لا يخلُ من ضجيج الباعة الذين يروّجون لبضائعهم.

يعمل “شمس الدين” في بيع الخضار منذ /32/ عاماً، بعد حصوله على شهادة الصف الثالث الثانوي عام 1979، شارك مع شقيقه الذي يصغره سناً في استئجار محل في سوق الهال القديم (والمعروف حالياً بسوق القصابين) وعمِلا معاً لرفع جزءٍ من المعاناة عن كاهل والدهم الذي كان يسعى دائماً لنجاح أبنائه دراسياً، وعند التحاق “شمس الدين” بالخدمة الإلزامية عام 1983 كثرت واجبات ومسؤوليات شقيقه الذي بقي وحيداً في مواجهة التحديات المعيشية.

لا يُمَلّ من أحاديث “شمس الدين” عند مجالسته في فسحته الصغيرة المليئة بالصناديق الفارغة ورائحة الخضروات والنسمات الرطبة التي تُسقِط حبات الماء على شكل قطراتِ ندى على أرضية الدكان والأتربة المتجمّعة حول أعمدة (البسطة) الخشبية وأحجار الرصيف المتكسّرة.

وهو يُرتّب باقات البقدونس وحبات البندورة التي تتدلى منها قطرات الماء،  تشعر بأنه في عراكٍ مع ذكرياتٍ جميلة وقاهرة في آنٍ واحد، وفجأة تراه يجاوب بضحكةٍ خفيفة «الحياة بحد ذاتها وبقسوتها تعلّم المرء الجبروت والتفكير في كيفية حمل مسؤولياته، وإن لم تستفد من تجاربك لن تكون قادراً على مجابهة أي ظرفٍ قاسٍ وسوف تضيع بين أنياب الوحوش».

عمل وجاهد بصعوبة، في الثمانينيات كان الوضع صعباً جداً، كانوا يجلبون الخضار من الساحل والداخل السوري، «كان يصل سعر البندورة يوم الخميس إلى خمسين ليرة سورية، أما الجمعة فـ يصل سعره إلى مئة ليرة سورية، بسبب قلة المواصلات، أما الآن فقد توفّر كل شيء،  وفي ذلك تأثيرٌ على انخفاض الأسعار».

كان “شمس الدين” يستيقظ في الساعة الثالثة صباحاً، وبعد أدائه صلاة الفجر، يتّجه إلى سوق الخضار (سوق الهال) لشراء احتياجات محله، وبصعوبةٍ يحصل على صنفٍ أو صنفين مما يبيعه، لعدم توفر الكمية الكافية التي تصل المدينة، لكنه لم يضعف أمام تلك الظروف ولم يتهرّب من مسؤولياته تجاه أحد، حتى جمع مبلغاً من المال كان كافياً لتقديم مهر شريكة حياته عام 1986.

 تصوير: حسن حسين
تصوير: حسن حسين

رغم الضجيج في هذا الشارع المستقيم المكتظ بالمارة، ترى “أبا آلان” ـ وقد صار معروفا بهذا الاسم ـ هادئاً يردّ على زبائنه بصوتٍ منخفض عن أسعار بضاعته المنتشرة على طول ثلاثة أمتار، حتى لم نسمع صوته وهو ينادي كغيره من الباعة المجاورين، وعند سؤالنا له كان جوابه «إن الرزق على الله».

بقي التعليم غصّة في قلبه، وعانى كثيراً في سبيل إنجاح أبنائه دراسياً، فحصل البعض منهم على الشهادة الثانوية وآخرون اكتفوا بالشهادة الإعدادية، أما ابنه “جوان” فأكمل دراسته الجامعية ليتخرّج مهندساً للمساحة من جامعة تشرين باللاذقية، وبسبب الظروف المادية الصعبة، لم يستطع أبناؤه الآخرون متابعة دراستهم الجامعية، فكان مساعدة والدهم وعدم تركه وحيداً من أولويات قراراتهم ليعملوا معاً في تأمين مستقبلهم.

رغم العمل الطويل في بيع الخضار، لا يزال “أبا آلان” مستمراً في عمله ويرفض التخلي عنه، لما بينه وبين تلك الأصناف من علاقةٍ حميمية، حتى في منزله، تجد أنواعاً مختلفة من الأشجار المثمرة التي يعتني بها وكأنها أحد أفراد أسرته.

يظل الماضي جميلاً بنظر “شمس الدين” رغم ما عاناه من تعبٍ وحرمان لسنواتٍ طويلة، خاصةً أيام طفولته، وهو الذي واجه المصاعب من أجل بلوغ غايته، «لأن الأمل والطموح في الحياة يحتاجان إلى حافزٍ كبير للتغلب على صعوباتها، فالشخص الطامح الذي يملك أملاً كبيراً، دائماً ما يسعى إلى تحقيق أهدافه بغض النظر عن رأي الآخرين أو السماع لأقاويلهم» يقول وهو متفائلٌ بالمستقبل.

الوطن في نظره أمٌ لا يمكن مفارقتها، فرغم كل ما تعرض له وغيره من ظروف استثنائية، إلا أنه  لم يفكر بشدّ الرحال بعيداً عن هذا الشارع المزخرف بألوان الحياة أو عن صوت جاره الذي يسمعه الداخل والخارج من السوق، ملامح التعب كانت ظاهرة على وجهه، والعناء أثقل كاهله، كل شيءٍ حوله في المحل كان منهكاً كتلك الحناجر التي لم تتوقف عن الصراخ طوال نهارٍ كامل.

باتت الشمس تغيب رويداً رويداً ومازال “شمس الدين” يسرد سيرته مع تلك الأصناف من الخضروات الموزّعةِ على طاولة العرض، ومقابل محله طفلان في الرابعة عشر من عمرهما يستمعون بكل شغف إلى حديثه، «على الإنسان أن يكون متسامحاً، عليه أن يحدّد هدفاً ويمضي نحوه، حتى تكون  للحياة معنى، ويعيش راضياً عن نفسه باعتزاز، فالحياة أقصر مما نتخيّل».

إغلاق