في شرق الفرات.. مُقاومةٌ مدنيّة ضدّ الهجوم التّركي ثم تغييرٌ في الأولويّات

لم تكن العمليّة العسكريّة التركيّة ضد مدينتي سري كانييه وكري سبي وريفيهما، مجرّد قصفٍ عشوائي لآلة الحرب التي قادها الجيش التركي والفصائل السورية المعارِضة؛ بل أن انعكاسات الكارثة أثّرت ولمّا تزل تؤثّر على حيوات المدنيين في أنحاء مناطق الإدارة الذاتية.

قصفٌ، فنزوحٌ اضطراري، فتهجير، كلها نتائجٌ كانت قد وُضِعت وخُطِّط لها قبل البدء بهندسة الهجوم  وتنفذه، فالطائرات والمدفعية التركية لم تحمل معها القنابل والموت فحسب؛ بل أن تغيير أسلوب عيش المدنيين في عموم المنطقة، وإضفاء الشعور بعدم الاستقرار والقلق بين سكانها، كان الطارئ الذي حَمَلَ معه خوفاً من كل شيء وعلى كل شيء، وضاقت الخيارات التي أحلاها مرٌّ أمام الهاربين من بطش المسلّحين.

بداية الخطة، كانت باستهداف المدن الكردية على طول الشريط الحدودي مع سوريا من كوباني في الغرب وصولاً لديرك في أقصى الشرق، والذي تسبّب بمقتل مدنيين سواء جراء الاستهداف المباشر للمدفعية التركية أو عبر أدواتها من الخلايا النائمة التي استهدفت تلك المدن، وفي مقدمتها مدينة قامشلي التي كان لها النصيب الأكبر من الاستهداف بالطريقتين ودفعت سري كانييه وكري سبي الضريبة الأكبر.

يضاف إلى ذلك، حركة النزوح الكبيرة من المدينتين اللتين تركّزت العمليات العسكرية فيهما، ووصل عدد النازحين إلى نحو 300 ألف نازح ثلثهم من الأطفال.                  

واحدٌ من الخيارات كان الطريق نحو الجنوب حيث الحسكة والقرى التي تبعد عن الحدود، وتَركِ ممتلكاتهم لمصيرٍ مجهول، فما كان لأحدٍ أن يتوقّع ما ستؤول إليه الأمور، إن كانت العملية العسكرية ستتوقّف عند حدٍّ معين أم ستتوسّع لتشمل كل المنطقة، خاصةً وأن تصريحات  المسؤولين الأتراك كانت تشير إلى وجود نيةٍ لاحتلال كامل الجغرافية الكردية شرق الفرات، تهديدٌ أعاد للأذهان مأساة عفرين التي انتُهِكت من موالي أنقرة الذين ما انفكوا يفظعون بناسِها.

الخيار الثاني، كان البقاء والعيش تحت رحمة القلق، والبدء بتعداد القذائف التي كانت تنهال على المنطقة، أو السير ضمن الخيار الثالث وهو التوجه نحو إقليم كردستان العراق وعيش تجربة اللجوء وحياة المخيّمات.

بمتابعة حركة الأهالي، يظهر أن الغالبية منهم فضّل البقاء رغم صعوبة الخيار، لكن من الممكن تفسير ذلك من خلال نقطتين:

الأولى: أن باقي الخيارات لم تكن أفضل من هذا الخيار وأن أهل المنطقة أدركوا أن الهدف الرئيس للعدوان التركي ليس السيطرة على المدينة؛ بل إفراغها من سكانها الأصليين، ومن الممكن أن نُسمي هذا التصرف من الأهالي بالمقاومة المدنية للعدوان، فَمَنْ ترك مدينته، تركها في اللحظات الأخيرة بعد فقدان الأمل والإدراك بأن البقاء تحت وطأة الاحتلال التركي والفصائل السورية الراديكالية، يعني تماماً أن يبقوا عرضة للقتل، الخطف والتنكيل.

تصوير: حسن حسين
تصوير: حسن حسين

وثاني الأسباب، ردود الفعل العالمية حيال الهجوم التركي على المنطقة والذي اتسم بالرفض، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وهذا ما أعطى أملاً للمدنيين بأن هناك أسباباً قد تؤدي إلى كبح جماح الدولة التركية.

أياً كانت خيارات أبناء المناطق الكردية المنكوبة، فبالنهاية تسبّبت العملية العسكرية بتحقيق هدفها الأوحد وهو إفراغ المنطقة من الكُرد، تمهيداً للبدء فيما بعد بتنفيذ الجزء الثاني من الخطة، وهو توطين لاجئين سوريين من أبناء الغوطة وإدلب وغيرها من المناطق التي هجرها سكانها.

المتابع لحركة الحياة في المنطقة، يُدرك بأنه رغم الوضع المعيشي الصعب في عموم سوريا، إلا أن أبناء مناطق الإدارة الذاتية عاشوا نوعاً من الاستقرار النسبي مقارنة مع باقي المناطق، وبدأت تظهر ملامح ما يمكن تسميته إعادة البناء سواء على الصعيد الاقتصادي أو على الصعيد المجتمعي.

فحركة العمران انتعشت بشكلٍ أكثر من ذي قبل، خاصةً بعد إعلان القضاء على تنظيم داعش، والاستقرار الأمني في المنطقة، أيضاً بدأت المشاريع الاقتصادية تظهر وتتطور، معتمدةً في بعضها على أصحاب رؤوس الأموال من أبناء المنطقة، أو ممن يعيشون في الخارج من المغتربين واللاجئين، إضافةً لعودة العديد من أبناء المنطقة ممن وجد في الاستقرار الأمني فرصةً للعودة وإطلاق مشاريع صغيرة والعيش بين أهله.

أما على الصعيد المجتمعي، فقد هدأت حركة اللجوء سواء إلى دول الجوار في كردستان العراق وتركيا أو دول الاتحاد الأوروبي، لكن هناك حركة عكسية من الخارج إلى الداخل، خاصةً من كان يعيش في تركيا أو إقليم كردستان العراق.

لكن الهجوم التركي، وإن لم يتسبب بموجات لجوء كبيرة إلى خارج المنطقة، إلا أن وصول نحو  15 ألف لاجئ، تبدو قليلةً جداً مقارنةً بالخطر الذي واجهه الأهالي، وهو ذات السبب الذي دفع الكثيرين ممن هم في الخارج، إلى تغيير أولوياته، فالذي  كان يفكر بالعودة إلى الوطن ليستقر في مدينته؛ بات اليوم يفكر بإخراج من بقي من ذويه في الداخل، ومن كان رافضاً للخروج من مدينته؛ صار يفكر بتأمين حياةٍ  آمنة لعائلته.

قصارى القول، فإن العملية العسكرية أدت إلى تغيير سلم الأولويات لدى أهالي  المنطقة، ودمرّت- كما البنية التحتية في سري كانييه وكري سبي- أيضاً أحلام الكثير من الشباب ممن خططوا لحياةٍ أكثر استقراراً في مدنهم وقراهم.

إغلاق