«لم تعد تطيق التحدّث مع الرجال»

حكاية زينب التي نَجَتْ من الأَسْر في سري كانييه مقابل «فدية»

لم يتوقع “جمعة شيخو” أن قرار العودة مع زوجته إلى مدينته سري كانييه، سينتهي على نحوٍ مأساوي، فبالإضافة إلى تدمير منزله خلال القصف، تعرضت زوجته زينب البالغة من العمر (50) عاماً لأهوالٍ جعلتها في وضعٍ نفسي مزرٍ للغاية قد يستمر لفتراتٍ طويلة.

ففي التاسع من اكتوبر تشرين الأول الماضي، شنّت تركيا- بمشاركة فصائل تابعة للمعارضة السورية- غزواً عسكرياً كبيراً على المنطقة بين سري كانييه وكري سبي، اندلعت على إثره معارك شرسة على جبهةٍ بطول (120) كيلو متراً على الشريط الحدودي بين المدينتين، وانتهت بسيطرة تركيا على كامل هذه المساحة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من سري كانييه بموجب اتفاقٍ بين واشنطن وأنقرة.

كان ذلك في اليوم الثالث من بدء القصف و المعارك، عندما حسم “جمعة شيخو” أمره حيال إخراج عائلته من المدينة باتجاه الجنوب والغرب حيث قرى بلدة تل تمر على طريق الحسكة، وذلك في محاولةٍ لإنقاذ أرواحهم بعد وصول وتيرة القصف التركي إلى أَوْجِها بالتزامن مع فتح فصائل سورية مسلحة ثغرات في أحياء بالمدينة، حيث تحولت سري كانييه حينها إلى ساحةٍ حقيقة لما يعرف بـ”حرب الشوارع”.

تصوير:حمزة همكي
تصوير:حمزة همكي

في عصر ذلك اليوم، انطلق الرجل الخمسيني بدراجةٍ نارية كانت وسيلته الوحيدة في إخراج عائلته على دفعات. أسوة بأغلب أبناء مدينته الذين لم يجدوا سبيلاً سوى الهروب خوفاً على أرواحهم.

يتحدث “شيخو” لمجلة شار: «قمت بنقل عائلتي على دراجتي النارية، واضطررت للذهاب والإياب أربع مرات وقطع مسافة (10) كيلومترات حتى أخرجت كامل أفراد العائلة».

خلال القصف التركي المُركّز على المدينة وأريافها، فرّ نحو (150) ألف شخص من المدينة خلال الأيام الأولى، عبروا ريف تل تمر ووصلوا تباعاً إلى الحسكة، في مشاهد جسّدت إحدى أكثر المآسي الإنسانية في سوريا على مدى ثماني سنوات من الحرب، إذ افترش مئات الأطفال والنساء العراء، بينما لجأ الآلاف منهم إلى المدارس، ومنهم من احتمى من البرد والمطر بأبنيةٍ غير مكتملة التشييد.

جرى ذلك بالتزامن مع سحب معظم المنظمات الدولية الإغاثية موظفيها من “روجآفا”، وعبروا الحدود باتجاه إقليم كردستان العراق، ما أدى إلى تشكّل ضغطٍ كبير على المنظمات المحلية التي وجدت نفسها أمام مسؤولية تقديم المساعدة للنازحين، «على الرغم من الإمكانات المحدودة».

شكّل اليوم  الثالث عشر من تشرين الأول، منعطفاً مأسوياً بالنسبة لـ “زينب” وعائلتها، فبعد مضي يومين من الوصول إلى بر الأمان، اتخذت مع زوجها قراراً بالعودة إلى الديار لمعرفة ما حل بمنزلهما.

يقول  “شيخو”:  «اتخذنا القرار بهدف الاطمئنان على منزلنا ولجلب بعض الحاجيات الضرورية، لكن وقوع “زينب” في كمين لإحدى الفصائل المسلحة وسط المدينة، هو ما لم يكن في الحسبان، و لحسن الحظ تمكنت من الإفلات مع بعض العائلات الأخرى».

ما ذاقه “شيخو” من مرارة، حرمته النوم على مدى أسبوعين، وهي المدة التي قضتها “زينب” في الاحتجاز، ذاقته  عشرات العائلات النازحة من سري كانييه، بحسب تقارير حقوقية محلية، بالرغم من غياب إحصائيات دقيقة حول هذا النوع من الانتهاكات.

بعد وصول “شيخو” إلى عائلته، حاول بكل الوسائل الممكنة معرفة مصير زوجته، لكن دون جدوى، حتى تلقى رسائل من عناصر الفصائل الذين احتجزوا زوجته.

يقول الرجل الذي غزا الشيب رأسه: «لقد أرسلوا لي صوراً لزينب، وطالبوا فدية مقدارها مليون ليرة سورية مقابل إطلاق سراحها»، ما دفعه للسعي لتأمين المبلغ بهدف إرساله عن طريق سماسرة إلى العناصر الذين احتجزوا زوجته.

أثناء فترة احتجاز “زينب” كان الرجل يواسي أطفاله الثلاثة وزوجته الأخرى ويطمئنهم بقرب الفرج، ويقول: «إن مبلغ المليون ليرة الذي أرسلته للفصائل المسلحة، جهدتُ في جمعه لكن عودة زوجتي إلى عائلتها لا يوازيه أي مبلغ مادي».

إلا أن عودة السيدة الخمسينية إلى عائلتها، ما كان لينهي معاناتها  كما كان يرجو زوجها، فالآثار التي خلّفتها فترة الاحتجاز القسري عليها، هي أبعد ما تكون عن التجاوز أو النسيان، ففظاعة مشاهد القتل والتعذيب التي عايشتها خلال أسبوعين، كانت كابوساً لم تستطع الاستيقاظ منه حتى الآن.

(ولم تتمكّن مجلة “شار” من أخذ شهادتها ومعرفة ما جرى معها أثناء فترة الاحتجاز، لم تتمكن زينب من النظر إلى الكاميرا خلال محاولتنا التقاط صور توثق حالتها) «فهي لم تعد تطيق الحديث إلى الرجال» يقول زوجها.

تعيش “زينب” اليوم مع عائلتها في مدرسة “أم حجرية” الواقعة غربي حي “النشوة” في الحسكة في غرفةٍ واحدة إلى جانب  عائلتين نازحتين وسط ظروفٍ إنسانية صعبة.

يضيف “شيخو” شارحاً وضع عائلته المنكوبة بعد أن استعصى الكلام في حلقه: «كيف يمكن لثلاثِ عائلاتٍ أن تعيش في غرفةٍ واحدة»، وزاد: «هؤلاء الأطفال انقطعوا عن الدراسة، لقد ذهب كل شيء بين ليلة وضحاها».

بالنسبة لـ “جمعة شيخو” فإن ما مرّ به من ألمٍ وما يقاسيه مع عائلته من شَظَفِ العيش وقساوة النزوح، لا اعتبار له مقابل أمنيته في رؤية زوجته وهي تتعافى من أزمتها النفسية، وتتغلب على ما عايشته من أهوال في جحيم الأَسر.


 

إغلاق